مبارك البراك
14-07-2010, 10:13 AM
المعلم الرابع والعشرون: عدم تحديد تواريخ وأوقات معينة لوقوع الفتنة أو الملحمة أو الشرط
مما ينبغي أن يكون واضحا أنه لا يصح مطلقا أن يقوم شخص بتحديد وقت ظهور الفتنة أو الملحمة أو الشرط، بحيث يحدث الناس بأن الأمر الفلاني واقع في تاريخ كذا، فإن هذا من الأمور المغيبة التي استأثر الله بعلمها، يقول صديق حسن خان في تعريفه لعلم الملاحم قال: (جمع ملحمة، وهي الواقعة العظيمة في الفتنة مثل: بختنصر، ووقعة جنكيز خان، وهولاكو، وتيمور) إلى أن قال: (وقد وقعت منها ملاحم وفتن كثيرة ويقع ما بقي منها، ولكن العلم بمواقيتها مما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه، ولا يتيسر لبشر العلم بوقتها، إلا بعد وقوعها، وحصول التطبيق بالأحاديث الواردة فيها) ، وهذا كلام مهم، فشأن هذه الأشراط كشأن الساعة لا يعلم وقتها على التعيين والتحديد بحيث يصح أن يقال أنها ستكون في اليوم الفلاني وفي الشهر الفلاني وفي سنة كذا وكذا إلا الله جل وعلا، قال القرطبي: (والذي ينبغي أن يقال به في هذا الباب أن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك كوقت قيام الساعة فلا يعلم أحد أي سنة هي ولا أي شهر) ، وقال السخاوي: (ومن فوائده الرد على الحرالي المغربي الزاعم أنه استخرج من الحرف وقت خروج الدجال ووقت طلوع الشمس من مغربها مع أن هذه تحديدات وعلوم استأثر الله بها عن سائر أنبيائه ورسله فضلا عن من دونهم) ، وقال صديق حسن خان: (لا شك في أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة سلفا عن خلف، إلا من لا يعتد بخلافه، وليس القول بظهوره بناء على أقوال الصوفية ومكاشفاتهم أو أهل التنجيم أو الرأي المجرد، بل إنما قال به أهل العلم لورود الأحاديث الجمة في ذلك) .
وقد قال ابن خلدون مشتكيا من أحوال مدعي المهدوية في زمانه وقبل زمانه قال: (إلى كلام من أمثال هذا يعينون فيه الوقت، والرجل، والمكان، بأدلة واهية وتحكمات مختلفة فينقضي الزمان، ولا أثر لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تجديد رأي آخر منتحل كما تراه من مفهومات لغوية، وأشياء تخيلية، وأحكام نجومية، في هذا انقضت أعمار الأول منهم والآخر) ، وصدق رحمه الله ومن تأمل في أحوال كثير من الكتاب وجدهم على هذه الشاكلة يقررون بالأمس كلاما فيكذبهم العلماء فيأتي الواقع مصدقا أهل العلم مكذبا لهم، فيكون الواقع واعظا لهم علهم ينزجرون أو على الأقل يستحيي من الخلق ولكنهم يعيدون الكرة بعد الكرة، وكأن شيئا لم يكن وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) .
ومن تتبع أحول أهل العلم وجدهم على هذه القاعدة كافين عن ذكر تحديد لوقوع النصوص وتحققها بتواريخ معينة، وغاية ما يصنعونه في هذا الباب أن يقولوا : إن وقت هذه الواقعة في زمن المهدي مثلا أو عيسى بن مريم، أو قبله أو بعده ونحو ذلك، بما يعود إلى مسألة الترتيب بين الأشراط والعلامات، أما تحديد التواريخ فليست محلا للاجتهاد والاستنباط ومن خاض في مثل هذا كان خائضا في ضرب من الكهانة والتنجيم والعياذ بالله.
وما ثبت من التحديد عن الصحابة فحكمه حكم المرفوع لعدم دخوله في دائرة الاجتهاد وذلك كاستعاذة أبي هريرة من رأس الستين مثلا، فلو صح في ذلك نص فلا كلام، أما وأنه لم يصح فلا، قال الإمام ابن القيم في معرض كلامه على القرائن التي يعلم بها الحديث الموضوع في كتابه المنار المنيف: (أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا، مثل قوله: (إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت) كقول الكذاب الأشر: (إذا انكسف القمر في المحرم: كان الغلاء والقتال وشغل السلطان، وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا) واستمر الكذاب في الشهور كلها، وأحاديث هذا الباب كلها كذب) ، وقال القرطبي في أثناء سياق حديث مفتعل في ذكر الوقائع على السنوات (أن في سنة مائتين يقع كذا وكذا، وفي العشر ومائتين يقع كذا وكذا...) وهكذا قال: (وأيضا دلالة أخرى على أنه مفتعل أن التاريخ لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال في سنة مائتين أو سنة عشرين ومائتين، ولم يكن وضع شيء من التاريخ) ، وقال ابن القيم: (ومنها أحاديث التواريخ المستقبلية، وقد تقدمت الإشارة إليها وهي كل حديث فيه: (إذا كانت سنة كذا وكذا حل كذا وكذا)) .
وعليه فما وقع من تحديدات في التواريخ غير صحيح، لانعدام باب العلم بها لانعدام الأخبار، ومن أمثلة ما وقع من تحديد للتواريخ مما لا يُرتضى على ما سبق:
ما قاله البرزنجي في وقت خروج المهدي:
(فيحتمل خروج المهدي على رأس هذه المئة احتمالا قويا بل قبل المئة، إذ الدجال يخرج في خلافته، وهو كما مر يخرج على رأس المئة، ويحتمل أن يتأخر للمرة الثانية ولا يفوتها قطعا) .
قال المحقق معلقا: (وهكذا قال في الصفحة 149 بظهور المهدي في المئة الثانية بعد الألف قطعا، وهذا مشكل، فإنه قد تمت المئة الثانية والثالثة والرابعة، وها نحن قد دخلنا في الخامسة، اللهم إلا أن يقال: لما تظاهرت العلامات على خروج المهدي فأحدث ذلك يقينا قطعيا في رأي المؤلف، فقال هذا الكلام، والحال أن دلالة العلامة على المعلم لها ظنية دائما، فخروج المهدي وظهوره ثابت بالأحاديث الصحيحة المتواترة، وأما وقت ظهوره فلا يعلمه قطعا إلا الله تعالى، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله ص389: وهذه كلها مظنونات، وقد وقع مثل هذا لكثير من الأئمة مثل الحافظ السيوطي كما تقدم النقل عنه والحافظ ابن الديبع في حدائق الأنوار وغيرهم من الأئمة حسبما ظهر لهم من فهم للنصوص).
ولئن كانت مثل هذه المباحث لبعض من تقدم محل انتقاد فما يمارسه كثير من متأخري الكتاب في هذا الباب يعد جريمة من الجرائم خذ مثلا صنيع فهد سالم فبعد أن زعم أن الدجال مسلم وأنه يعطى الرئاسة في إيران قبل ظهور المهدي ثم لمح بل وصرح بأنه محمد خاتمي ملقبا إياه بـ (آية الله جورباتشوف) ، تراه يذهب إلى أبعد من هذا في تحديد وقت خروج الدجال فيقول في 15 شعبان 1420، الموافق 23 نوفمبر 1999 يخرج المسيح الدجال بفتنته الكبرى حيث يدعي الألوهية، ويظهر المعجزات لفتنة الناس) .
ويستمر على هذا النسق في رسم سيناريو المستقبل بخيال خصب محددا الفتنة والشرط وتاريخ الخروج باليوم والشهر والسنة الهجرية والميلادية بل ويحدد وقت الشرط من اليوم أحيانا، والواقع كان متكفلا بتكذيبه فقد ذكر أن المسجد الأقصى سيتم تفجيره في 1/1/1999 فلم يقع من ذلك شيء، وذكر أن طلائع القوات الغربية ستنزل بالأردن وتحاصر بيت المقدس في نفس اليوم ، كما ذكر أن المهدي سيخرج يوم الثلاثاء 25/1/1420 ، وأن الملحمة تبدأ في جمادى ورجب وشعبان من السنة نفسها ، ويكون خروج الدجال في 15/8/1420 ، ثم ينزل عيسى عليه السلام في 25/9/1420 ، ثم يظهر عيسى للدجال والذي يهرب إلى مطار اللد الدولي ليقلع بطائرته هربا من عيسى فيقتله عيسى قرب باب اللد الشرقي ، ثم يمضي على هذا النسق مخبرا أن وفاة عيسى ستكون 2007 وأن نهاية عمر الدنيا ستكون في 2010 حيث تخرج الشمس من مغربها . فهل سمع بمثل هذا قط وهل وقع شيء منه أم أنها خيالات وأوهام مسطرة في الكتب، وهل لعاقل حقا أن يظن أن ما تبقى من تنبؤاته لها أي قيمة تذكر، وهل لأحد أن يزعم بعده أن نهاية عمر الدنيا ستكون في 2010 لا أظن منصفا عاقلا يحترم نفسه وقراءه يقبل بمجرد ذكر هذا الكلام فضلا عن تثبيته واعتقاده.. ولكن لا زال القوم يكتبون!
والعجيب أن يثني المؤلف على صنيعه المتقدم بقوله: (لقد كان الواقع المعاصر والمعاش شاهد إثبات على صحة كل ما ورد في هذا الكتاب من روايات وأحاديث، ولهذا تمكنت بتوفيق الله من إزاحة الستار عن أكثر الأسرار خطورة، إنها أسرار النهاية وقيام الساعة، لقد تفككت أمامي وبكل سهولة أكثر الرموز المستعصية في روايات الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لقد رأيت أمامي خيوط المؤامرة، وكشفت أبعادها السرية والعلنية، ولهذا سيجد القارئ في هذا الكتاب تحديد الزمان والمكان للملاحم، ويجد أسماء بعض قادة الفتن في آخر الزمان وزعماء آخرين، والجميع قادة سياسيون معاصرون، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصفهم لنا...)
والمضحك أن المؤلف قد قال بعد ذلك: (ولا أريد أن أطيل فهذا الكتاب بين أيديكم، وقد كفيتكم الرد عليه بأفصح لغة علمية، وهي لغة الأرقام وبأقوى وأصدق المواعيد وهي التاريخ، وليس على المرجفين أو المتشككين إلا الانتظار لعدة شهور فقط، وتظهر الحقيقة أمام الجميع، إما مع الكتاب أو ضده، فعليهم الصمت والترقب حتى لا يحرموا غيرهم من فائدة مرجوة قبل ظهور آية الدخان، أو يظهر الدجال في شخصيته المزعومة) ، فقد ظهرت الحقيقة والحمد لله، ولكن على غير ما أراده هذا العابث المتعالم، والمقصود أن مثل هذه التحديدات باب مغلق لا يصح تقحمه لما تقدم والله أعلم.
الخاتمة
فهذا ما تيسر جمعه من قواعد ومنارات تضبط الفوضى الواقعة في هذا الباب، عسى أن تكون محل إفادة، والذي ينبغي أن يكون من المسلم على بال أن هذه الأشراط من قدر الله، وأن مدافعة القدر بالقدر هو الواجب على المكلف، أما ترك العمل الواجب احتجاجا بالقدر فلا يصح ولا يجوز، فحذاري من الاشتغال بهذه الأشراط وما يتصل بها عن العمل بمقتضاها وحذاري من اتخاذها قنطرة (للاعمل) فإنه خطير خطير، إنا لم نكلف بأن ننتظر المصلحين بل كلفنا أن نكون مصلحين، إنه لا يصح بحال أن تكون هذه الأشراط مدعاة للقعود فضلا عن النكوص عن نصرة هذا الدين، بل الواجب بذل الغالي والنفيس في نصرة هذا الدين، ليكون ما تضمنته الأخبار من ظهور هذا الدين وانتصاره بأيدينا، فهذا هو الشرف حقا، وهذا هو العلو، أما عدم المشاركة بشيء من واجب النصرة ولو تحققت النصرة فلا تفيد صاحبها شيئا بل قد يكون مأزورا غير مأجور، إن المسؤولية عظيمة وإن الواجب كبير، فمن أراد التقاعس والتكاسل فإنه أسهل شيء يكون فليس عليه إلا أن يعمل (لا شيء)! أما من أراد القيام بالواجب حقا والنهوض بالأمة صدقا فعليه أن يعمل كل شيء.. بقدر الوسع والطاقة (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
قرب الرحيل إلى ديار الآخرة
فاجعل إلهي خير عمري آخره
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم
وبحار جودك يا إلهي زاخرة
آنس مبيتي في القبور ووحدتي
وارحم عظامي حين تبقى ناخرة
فأنا المسيكـين الذي أيامـه
ولت بأوزار غدت متواترة
وتوله باللطــف عند مآلـه
يا مالك الدنيا ورب الآخرة
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
منقــــــــــول ...
هذا مقطع من بحث بعنوان
معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفـتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث
راجعه عدد من طلبة العلم بقلم عبدالله بن صالح العجيري
مما ينبغي أن يكون واضحا أنه لا يصح مطلقا أن يقوم شخص بتحديد وقت ظهور الفتنة أو الملحمة أو الشرط، بحيث يحدث الناس بأن الأمر الفلاني واقع في تاريخ كذا، فإن هذا من الأمور المغيبة التي استأثر الله بعلمها، يقول صديق حسن خان في تعريفه لعلم الملاحم قال: (جمع ملحمة، وهي الواقعة العظيمة في الفتنة مثل: بختنصر، ووقعة جنكيز خان، وهولاكو، وتيمور) إلى أن قال: (وقد وقعت منها ملاحم وفتن كثيرة ويقع ما بقي منها، ولكن العلم بمواقيتها مما استأثر الله سبحانه وتعالى بعلمه، ولا يتيسر لبشر العلم بوقتها، إلا بعد وقوعها، وحصول التطبيق بالأحاديث الواردة فيها) ، وهذا كلام مهم، فشأن هذه الأشراط كشأن الساعة لا يعلم وقتها على التعيين والتحديد بحيث يصح أن يقال أنها ستكون في اليوم الفلاني وفي الشهر الفلاني وفي سنة كذا وكذا إلا الله جل وعلا، قال القرطبي: (والذي ينبغي أن يقال به في هذا الباب أن ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن والكوائن أن ذلك يكون، وتعيين الزمان في ذلك من سنة كذا يحتاج إلى طريق صحيح يقطع العذر، وإنما ذلك كوقت قيام الساعة فلا يعلم أحد أي سنة هي ولا أي شهر) ، وقال السخاوي: (ومن فوائده الرد على الحرالي المغربي الزاعم أنه استخرج من الحرف وقت خروج الدجال ووقت طلوع الشمس من مغربها مع أن هذه تحديدات وعلوم استأثر الله بها عن سائر أنبيائه ورسله فضلا عن من دونهم) ، وقال صديق حسن خان: (لا شك في أن المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة سلفا عن خلف، إلا من لا يعتد بخلافه، وليس القول بظهوره بناء على أقوال الصوفية ومكاشفاتهم أو أهل التنجيم أو الرأي المجرد، بل إنما قال به أهل العلم لورود الأحاديث الجمة في ذلك) .
وقد قال ابن خلدون مشتكيا من أحوال مدعي المهدوية في زمانه وقبل زمانه قال: (إلى كلام من أمثال هذا يعينون فيه الوقت، والرجل، والمكان، بأدلة واهية وتحكمات مختلفة فينقضي الزمان، ولا أثر لشيء من ذلك، فيرجعون إلى تجديد رأي آخر منتحل كما تراه من مفهومات لغوية، وأشياء تخيلية، وأحكام نجومية، في هذا انقضت أعمار الأول منهم والآخر) ، وصدق رحمه الله ومن تأمل في أحوال كثير من الكتاب وجدهم على هذه الشاكلة يقررون بالأمس كلاما فيكذبهم العلماء فيأتي الواقع مصدقا أهل العلم مكذبا لهم، فيكون الواقع واعظا لهم علهم ينزجرون أو على الأقل يستحيي من الخلق ولكنهم يعيدون الكرة بعد الكرة، وكأن شيئا لم يكن وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت) .
ومن تتبع أحول أهل العلم وجدهم على هذه القاعدة كافين عن ذكر تحديد لوقوع النصوص وتحققها بتواريخ معينة، وغاية ما يصنعونه في هذا الباب أن يقولوا : إن وقت هذه الواقعة في زمن المهدي مثلا أو عيسى بن مريم، أو قبله أو بعده ونحو ذلك، بما يعود إلى مسألة الترتيب بين الأشراط والعلامات، أما تحديد التواريخ فليست محلا للاجتهاد والاستنباط ومن خاض في مثل هذا كان خائضا في ضرب من الكهانة والتنجيم والعياذ بالله.
وما ثبت من التحديد عن الصحابة فحكمه حكم المرفوع لعدم دخوله في دائرة الاجتهاد وذلك كاستعاذة أبي هريرة من رأس الستين مثلا، فلو صح في ذلك نص فلا كلام، أما وأنه لم يصح فلا، قال الإمام ابن القيم في معرض كلامه على القرائن التي يعلم بها الحديث الموضوع في كتابه المنار المنيف: (أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا، مثل قوله: (إذا كان سنة كذا وكذا وقع كيت وكيت، وإذا كان شهر كذا وكذا وقع كيت وكيت) كقول الكذاب الأشر: (إذا انكسف القمر في المحرم: كان الغلاء والقتال وشغل السلطان، وإذا انكسف في صفر كان كذا وكذا) واستمر الكذاب في الشهور كلها، وأحاديث هذا الباب كلها كذب) ، وقال القرطبي في أثناء سياق حديث مفتعل في ذكر الوقائع على السنوات (أن في سنة مائتين يقع كذا وكذا، وفي العشر ومائتين يقع كذا وكذا...) وهكذا قال: (وأيضا دلالة أخرى على أنه مفتعل أن التاريخ لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال في سنة مائتين أو سنة عشرين ومائتين، ولم يكن وضع شيء من التاريخ) ، وقال ابن القيم: (ومنها أحاديث التواريخ المستقبلية، وقد تقدمت الإشارة إليها وهي كل حديث فيه: (إذا كانت سنة كذا وكذا حل كذا وكذا)) .
وعليه فما وقع من تحديدات في التواريخ غير صحيح، لانعدام باب العلم بها لانعدام الأخبار، ومن أمثلة ما وقع من تحديد للتواريخ مما لا يُرتضى على ما سبق:
ما قاله البرزنجي في وقت خروج المهدي:
(فيحتمل خروج المهدي على رأس هذه المئة احتمالا قويا بل قبل المئة، إذ الدجال يخرج في خلافته، وهو كما مر يخرج على رأس المئة، ويحتمل أن يتأخر للمرة الثانية ولا يفوتها قطعا) .
قال المحقق معلقا: (وهكذا قال في الصفحة 149 بظهور المهدي في المئة الثانية بعد الألف قطعا، وهذا مشكل، فإنه قد تمت المئة الثانية والثالثة والرابعة، وها نحن قد دخلنا في الخامسة، اللهم إلا أن يقال: لما تظاهرت العلامات على خروج المهدي فأحدث ذلك يقينا قطعيا في رأي المؤلف، فقال هذا الكلام، والحال أن دلالة العلامة على المعلم لها ظنية دائما، فخروج المهدي وظهوره ثابت بالأحاديث الصحيحة المتواترة، وأما وقت ظهوره فلا يعلمه قطعا إلا الله تعالى، وقد أشار المصنف إلى ذلك بقوله ص389: وهذه كلها مظنونات، وقد وقع مثل هذا لكثير من الأئمة مثل الحافظ السيوطي كما تقدم النقل عنه والحافظ ابن الديبع في حدائق الأنوار وغيرهم من الأئمة حسبما ظهر لهم من فهم للنصوص).
ولئن كانت مثل هذه المباحث لبعض من تقدم محل انتقاد فما يمارسه كثير من متأخري الكتاب في هذا الباب يعد جريمة من الجرائم خذ مثلا صنيع فهد سالم فبعد أن زعم أن الدجال مسلم وأنه يعطى الرئاسة في إيران قبل ظهور المهدي ثم لمح بل وصرح بأنه محمد خاتمي ملقبا إياه بـ (آية الله جورباتشوف) ، تراه يذهب إلى أبعد من هذا في تحديد وقت خروج الدجال فيقول في 15 شعبان 1420، الموافق 23 نوفمبر 1999 يخرج المسيح الدجال بفتنته الكبرى حيث يدعي الألوهية، ويظهر المعجزات لفتنة الناس) .
ويستمر على هذا النسق في رسم سيناريو المستقبل بخيال خصب محددا الفتنة والشرط وتاريخ الخروج باليوم والشهر والسنة الهجرية والميلادية بل ويحدد وقت الشرط من اليوم أحيانا، والواقع كان متكفلا بتكذيبه فقد ذكر أن المسجد الأقصى سيتم تفجيره في 1/1/1999 فلم يقع من ذلك شيء، وذكر أن طلائع القوات الغربية ستنزل بالأردن وتحاصر بيت المقدس في نفس اليوم ، كما ذكر أن المهدي سيخرج يوم الثلاثاء 25/1/1420 ، وأن الملحمة تبدأ في جمادى ورجب وشعبان من السنة نفسها ، ويكون خروج الدجال في 15/8/1420 ، ثم ينزل عيسى عليه السلام في 25/9/1420 ، ثم يظهر عيسى للدجال والذي يهرب إلى مطار اللد الدولي ليقلع بطائرته هربا من عيسى فيقتله عيسى قرب باب اللد الشرقي ، ثم يمضي على هذا النسق مخبرا أن وفاة عيسى ستكون 2007 وأن نهاية عمر الدنيا ستكون في 2010 حيث تخرج الشمس من مغربها . فهل سمع بمثل هذا قط وهل وقع شيء منه أم أنها خيالات وأوهام مسطرة في الكتب، وهل لعاقل حقا أن يظن أن ما تبقى من تنبؤاته لها أي قيمة تذكر، وهل لأحد أن يزعم بعده أن نهاية عمر الدنيا ستكون في 2010 لا أظن منصفا عاقلا يحترم نفسه وقراءه يقبل بمجرد ذكر هذا الكلام فضلا عن تثبيته واعتقاده.. ولكن لا زال القوم يكتبون!
والعجيب أن يثني المؤلف على صنيعه المتقدم بقوله: (لقد كان الواقع المعاصر والمعاش شاهد إثبات على صحة كل ما ورد في هذا الكتاب من روايات وأحاديث، ولهذا تمكنت بتوفيق الله من إزاحة الستار عن أكثر الأسرار خطورة، إنها أسرار النهاية وقيام الساعة، لقد تفككت أمامي وبكل سهولة أكثر الرموز المستعصية في روايات الفتن والملاحم وأشراط الساعة، لقد رأيت أمامي خيوط المؤامرة، وكشفت أبعادها السرية والعلنية، ولهذا سيجد القارئ في هذا الكتاب تحديد الزمان والمكان للملاحم، ويجد أسماء بعض قادة الفتن في آخر الزمان وزعماء آخرين، والجميع قادة سياسيون معاصرون، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وصفهم لنا...)
والمضحك أن المؤلف قد قال بعد ذلك: (ولا أريد أن أطيل فهذا الكتاب بين أيديكم، وقد كفيتكم الرد عليه بأفصح لغة علمية، وهي لغة الأرقام وبأقوى وأصدق المواعيد وهي التاريخ، وليس على المرجفين أو المتشككين إلا الانتظار لعدة شهور فقط، وتظهر الحقيقة أمام الجميع، إما مع الكتاب أو ضده، فعليهم الصمت والترقب حتى لا يحرموا غيرهم من فائدة مرجوة قبل ظهور آية الدخان، أو يظهر الدجال في شخصيته المزعومة) ، فقد ظهرت الحقيقة والحمد لله، ولكن على غير ما أراده هذا العابث المتعالم، والمقصود أن مثل هذه التحديدات باب مغلق لا يصح تقحمه لما تقدم والله أعلم.
الخاتمة
فهذا ما تيسر جمعه من قواعد ومنارات تضبط الفوضى الواقعة في هذا الباب، عسى أن تكون محل إفادة، والذي ينبغي أن يكون من المسلم على بال أن هذه الأشراط من قدر الله، وأن مدافعة القدر بالقدر هو الواجب على المكلف، أما ترك العمل الواجب احتجاجا بالقدر فلا يصح ولا يجوز، فحذاري من الاشتغال بهذه الأشراط وما يتصل بها عن العمل بمقتضاها وحذاري من اتخاذها قنطرة (للاعمل) فإنه خطير خطير، إنا لم نكلف بأن ننتظر المصلحين بل كلفنا أن نكون مصلحين، إنه لا يصح بحال أن تكون هذه الأشراط مدعاة للقعود فضلا عن النكوص عن نصرة هذا الدين، بل الواجب بذل الغالي والنفيس في نصرة هذا الدين، ليكون ما تضمنته الأخبار من ظهور هذا الدين وانتصاره بأيدينا، فهذا هو الشرف حقا، وهذا هو العلو، أما عدم المشاركة بشيء من واجب النصرة ولو تحققت النصرة فلا تفيد صاحبها شيئا بل قد يكون مأزورا غير مأجور، إن المسؤولية عظيمة وإن الواجب كبير، فمن أراد التقاعس والتكاسل فإنه أسهل شيء يكون فليس عليه إلا أن يعمل (لا شيء)! أما من أراد القيام بالواجب حقا والنهوض بالأمة صدقا فعليه أن يعمل كل شيء.. بقدر الوسع والطاقة (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).
قرب الرحيل إلى ديار الآخرة
فاجعل إلهي خير عمري آخره
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم
وبحار جودك يا إلهي زاخرة
آنس مبيتي في القبور ووحدتي
وارحم عظامي حين تبقى ناخرة
فأنا المسيكـين الذي أيامـه
ولت بأوزار غدت متواترة
وتوله باللطــف عند مآلـه
يا مالك الدنيا ورب الآخرة
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
منقــــــــــول ...
هذا مقطع من بحث بعنوان
معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفـتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث
راجعه عدد من طلبة العلم بقلم عبدالله بن صالح العجيري