احمد السندى
24-01-2010, 08:22 PM
أشهر العشاق العرب
من عشق من الشعراء فما يحصرهم عدد ولا يحصيهم أحد .
وقد عشق أكثر العرب بل كلهم قد عشق فمن المذكورين منهم المشتهرين بالصبوة والغزل: فقيس مجنون بني عامر عشق ليلى وقيس بن ذريح عشق لبنى وتوبة بن الحمير عشق ليلى الأخيلية وكثير عشق عزة وجميل بن معمر عشق بثينة والمؤمل عشق الذَلفاء ومرقش عشق أسماء ومرقش الأصغر عشق فاطمة بنت المنذر وعمرو بن عجلان عشق هند وعلي بن أديم عشق منهلة والمهذب عشق لذة وذو الرمة عشق مية وقابوس عشق منية والمخبل السعدي عشق الميلاء وحاتم طيء عشق ماوية ووضاح اليمن عشق أم البنين والغمر بن ضرار عشق جُمل والنمر بن تولب عشق حمزة وبدر عشق نعم وشبيل عشق فالون وبشر عشق هند وعمرو عشق دعد وعمر بن أبي ربيعة عشق الثريا والأحوص عشق سلامة وأسعد بن عمرو عشق ليلى بنت صيفي ونصيب عشق زينب وسحيم عبد بني الحسحاس عشق عميرة وعبيد الله بن قيس عشق كثيرة وأبو العتاهية عشق عتبة والعباس بن الأحنف عشق فوز وأبو الشيص عشق أمامة. وعروة بن حزام ( قتيل الحب) عشق عفراء وقد ضرب في عروة بن حزام بعشقه المثل لأنه كان أطولهم صبوة وأكثرهم في العشق . بلغ العشق من عروة بن حزام أن أفرده ببلائه، وعذبه بدائه وآنسه بانفراده وشرّده عن بلاده وقتله .
عروه بن حزام ( قتيل الحب )
من شعراء العصر الإسلامي
توفي سنة 30 هـ / 650 م
وقصه موته محزنه ومؤثره جدا كما سترونها بالنهايه .
وقصه حياته بائسه ومحرومه كما سترونها فى البدايه .
هوعُروة بن حِزام بن مُهاصِر بن مالك أحدَ بني حزام بن ضبة بن عبد بن كبير بن عذرة .
وقد أحب ابنةَ عَمهِ عَفراءَ بِنتَ عقال مُهاصِر بنِ مالك الضبي وقد اشتهَر بَنو عذرَةَ بِشدةِ العِشقِ والْعِفَةِ فِيه ويعتبر عروة أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى ولا يعرف له شعر إلا في عفراء بنت عمه. وقَد قِيلَ لأَحَدِ العذريين: مَا بَال الرجلِ مِنكم يَموت في هَوَى امرَأَةٍ ؟ فَأجابَ: لأن فِينا جَمَالاً وَعِفة.
روي من حديث عروة بن حزام وعفراء بنت عقال: أن حزاماً بن مهاصر مات وترك ابنه عروة صغيراً في حجر عمه عقال بن مهاصر. وكانت عفراء تِرباً لعروة يلعبان جميعاً ويكونان معاً حتى ألف كل واحد منهما صاحبه إلفاً شديداً. وكان عقال يقول لعروة لما يرى من إلفهما: أبشر فإن عفراء امرأتك إن شاء الله. فكانا كذلك حتى بلغا سِن الرشد ولحقت عفراء بالنساء ولحق عروة بالرجال وحُجب بينهما فثارت لوعة الحب والغرام في صدريهما جراء الفراق. شغف قلب عروة بحب ابنة عمه شغفا عظيما فا حبها حبا لم يستطع تحمله فذهب إلى عمه طالبا يد ابنته فلما اخبر عمه بذلك سر عمه بهذا الخبر وفرح ولكنه في نفس الوقت أسف وحزن لأنه يعلم أن ابن أخيه ليس لديه المال الكافي لمهر ابنته فقال لابن أخيه : كم سررت لسماع هذا الكلام فسر عروة لموافقة عمه وقال : ابشر يا عمي فما مهرك فقال عمه : ثمانون ناقة . فوافق عروة وطلب من عمه إمهاله سنتان حتى يجمع هذا المال فوافق عمه وقال أنت لعفراء وعفراء لك فا نطلق عروة يجمع المال من بلاد اليمن
ويقول في ذكر عمه :-
يكلفني عمي ثمانين ناقة =ومالي والرحمن غير ثمان
وصَحِبَه في طريقه فتيان من بني هلال بن عامر.
بينما كان عروة ورفيقاه الهلاليان يجدّون المسير التفت إليها، وقال يخاطبهما، ويروي لهما قصته، وما يعانيه من لواعج العشق والغرام :
خليلي مِن عليا هلال بن عامر=بصنعاء عوجاء اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الذخر عندي وأجملا=فإنكما بي اليوم مبتليانِ
ألما على عفراء إنكما غداً=بوشك النوى والبين معترفانِ
أحب ابنة العذري حبا وإن نأَت=ودانيت فيها غير ما مُتداني
إذا قلت لا قالا بلى ثم أصبحا=جميعاً علىالرأي الذي يريان
تحملت من عفراء ما ليس لي به=ولا للجبال الراسيات يدان
فيا رب أنت الْمستعان على الذي=تحملت مِن عفراء منذ زمانِ
وتمر الأيام والشهور ولا خبر عن عروة وبعد مرور سنة ونصف .
حينما غاب عروة في طلب المهر نزل في حي عفراء رجل ثري من أثرياء البلقاء الشامية فنحر الجزور ووهب وأطعم ورأى عفراء وكان منزله قريباً من منزل أهلها، فأعجبته وخطبها إلى أبيها فرفض طلبه فعدل الرجل الثري إلى أم عفراء فوافق عندها قبولاً وجاءت إلى زوجها عقال ولم تزل تهذر حتى قال لها زوجها: فإن عاد لي الرجل خاطباً أجبته فوجهت إليه أن عد إليه خاطباً فأعاد الرجلُ القول في الخطبة فأجابه أبوها وزوجه بعفراء، فقالت عفراء قبل أن يدخل بها:
يا عروَ إن الحي قد نقضوا=عهدَ الإله وحاولوا الغدرا
ثم رحلت مع زوجها إلى البلقاء في الشام، وأرشدت أمُّ عفراء والدَها إلى حيلة لتضليل عروة وخِداعه، فعمَد بناءً على طلبها إلى قبرٍ عتيق، فجدَّد وسوّاه، وسأل سكان الحي كتمان أمر زواج عفراء، وطلب منهم أن يقولوا لعروة: إنها ماتت وهذا قبرها .
عاد عروة بن حزام إلى مضارب قومه، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أياماً وهو مضنىً هالك .
وقال فى عفراء :
وإِني لتعرونِي لِذِكراكِ رعدة=لها بين جسمي والعِظام دبيب
وما هو إِلا أن أراها فجاءة=فأبهت حتى مَا أكاد أجِيب
وأصرف عن رايِي الذِي كنت أرتئي=وأَنسى الذي حدثت ثم تغيب
وقال ايضا :
على كبدي من حب عفراء قرحة=وعيناي من وجد بها تكفان
فعفراء أرجى الناس عندي مودة=وعفراء عني المعرض المتوان
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى=من الناس والأنعام يلتقيان
فيقضي حبيب من حبيب لبانة=ويرعاهما ربي فلا يريان
وقال أيضا:
واني لأهوى الحشر إن قيل أنني=وعفراء يوم الحشر ملتقيان
فيا ليت محيانا جميعا وليتنا=اذا نحن متنا ضمنا كفنان
حتى جاءته جارية من الحي فأخبرته الخبر، فتركهم، ورحل إلى البلقاء في الشام فقدمها، ونزل ضيفاً على زوج عفراء، ثم قال لجارية لهم: "هل لك في يد تولينيها? قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت: سَوءة لك، أما تستحي لهذا القول? فقال لها: ويحك! هي والله بنت عمي، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعله سقط منه. فرَقّت لحالهِ الأمَة، وفعلت ما أمرها به.
فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته، فشهقت، ثم قالت: اصدقيني عن الخبر، فصدقتها. فلما جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا? قال: فلان بن فلان، فقالت: كلا والله يا هذا، بل هو عروة بن حزام ابن عمي، وقد كتم نفسه حياءً منك.
دعا زوج عفراء عروة، وعاتبه على كتمانه نفسه إياه، وقال له: على الرحب والسعة، نشدتك الله إن رُمت هذا المكان أبداً، وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان. وأوصى خادماً له بالاستماع عليهما، وإعادة ما تسمعه منهما عليه، فلما خلوا تشاكيا ما وجدا بعد الفراق، فطالت الشكوى، وهو يبكي أحرَّ بُكاء، وقال عروة والله لا أقيم بعد علمه بمكاني هذا، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت وبكى، وقال: لي أمور، ولا بدَّ لي من رجوعي إليها، فإن وجدت من نفسي قوّة على ذلك، وإلا رجعت إليكم وزرتكم، حتى يقضي الله من أمري ما يشاء. فزودوه وأكرموه وودّعوه وانصرف حزيناً.
رحل عروة من مضارب زوج عفراء، وانتكس بعد صلاحه وتماثله، وأصابه غشيان وخفقان؛ فكان كلما أُغمي عليه أُلقِي على وجهه خِمار لعفراء زوّدته إياه؛ فيفيق، وبينما هو راحلٌ لقيه في الطريق ابن مكحول عراف اليمامة، وجلس عنده؛ وسأله عمّا به؛ وهل هو خبل أو جنون? فقال له عروة: ألك علم بالأوجاع?. قال: نعم؛ فقال عروة:
وما بي من خبل ولا بي جنة=ولكن عمي يا أُخي كذوب
أقول لعراف اليمامة داوني=فإنك إن داويتني لطبيب
فلم يجد له دواءاً وارتحل عروه لدياره فى بيت امه واعتزل الناس وصار طريح الفراش عاما كاملا لايكلم احد .
قصه وفاته :
قال النعمان بن البشير الأنصاري . (من الصحابة الأجلاء ) .
استعملني معاوية على صدقات بليّ وعذرة (قبيلتان) فلما قبضت الصدقة قسمتها في أهلها، فإنّي لفي بعض مياههم إذا أنا ببيت منحرد (منفرد ومنعزل) ناحية عن الحي فمِلتُ إليه، فإذا أنا بفتى راقد في فناء البيت، وإذا بعجوز وراءه في كسر البيت، فسلمت عليه، فرد علي بصوت ضعيف، فسألته: ما بك? فقال:
كأن قطاة علقت بجناحها=على كبدي من شدة الخفقانى
جعلت لعراف اليمامة حكمه=وعرّاف نجد إن هما شفياني
فقالا نعم نشفي من الداء كله=وقاما مع العواد يبتدرانى
فما تركا من رقية يعلمانها=ولا سلوة إلا وقد سقياني
فقالا شفاك الله والله ما لنا=بما حملت منك الضلوع يدانى
قال النعمان : ثم شهق شهقة خفيفة كانت نفسه فيها، فنظرتُ إلى وجهه فإذا هو قد قضى فقلت: أيتها العجوز، مَن هذا الفتى منك? قالت: ابني، فقلت: إني أراه قد قضى. يا أماه ، من هو? فقالت: ولدي ، فقال لها: ما بلغ به ما أرى? قالت: الحبُّ، والله ما سمعت له منذ سنة كلمة ولا أنّ أنّة إلا الساعه
ثمّ فتح عينيه مره اخرى ، وأنشأ يقول:
من كان من أمهاتي باكيا أبد=فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا
يسمعننيه، فإني غير سامعه =إذ حملت على الأعناق معروضا
ثمّخفت فمات فغمّضته وغسلته وصليت عليه ودفنته وقلت للمرأة من هذا فقالت: هذا قتيل الحب. هذا عروة بن حزام .
وقال الرواة : بلغ عفراء خبر وفاة عروة فقالت ترثيه :
ألا أيها الركب المخبون ويحكم=بحق نعيتم عروة بن حزام
فلا تهنأ الفتيان بعدك لذة=ولا رجعوا من غيبة بسلامِ
وقل للحبالى لا ترجين غائباً=ولا فرحات بعده بغلامِ
ويقال في رواية أخرى: إن عفراء عاشت حزينة على عروة حتى لَحِقت به فنقلت جنازتها ودفنت في قبر إلى جانب قبر عروة فنبتت فَوق كل قَبْر مِن قَبريهما شجرة فَلَما صار ساقَا الشجرتين على ارتفاع قَامَة التفت الشجرتانِ وتعانقتا في عناق أَبدي فَقال الذين شاهدوا الشجرتينِ: تآلفا فِي الحياة وفي الممات.
وبلغ خبر عروة و عفراء الخليفةَ معاويةَ بن أَبي سفيان رضِي الله عنهما فَقال: "لوعلمت بِحالِ هذَينِ الحرينِ الكريمينِ لجمعت بينهما".
المصدر : كتاب الاغانى – ابو الفرج الاصفهانى
من عشق من الشعراء فما يحصرهم عدد ولا يحصيهم أحد .
وقد عشق أكثر العرب بل كلهم قد عشق فمن المذكورين منهم المشتهرين بالصبوة والغزل: فقيس مجنون بني عامر عشق ليلى وقيس بن ذريح عشق لبنى وتوبة بن الحمير عشق ليلى الأخيلية وكثير عشق عزة وجميل بن معمر عشق بثينة والمؤمل عشق الذَلفاء ومرقش عشق أسماء ومرقش الأصغر عشق فاطمة بنت المنذر وعمرو بن عجلان عشق هند وعلي بن أديم عشق منهلة والمهذب عشق لذة وذو الرمة عشق مية وقابوس عشق منية والمخبل السعدي عشق الميلاء وحاتم طيء عشق ماوية ووضاح اليمن عشق أم البنين والغمر بن ضرار عشق جُمل والنمر بن تولب عشق حمزة وبدر عشق نعم وشبيل عشق فالون وبشر عشق هند وعمرو عشق دعد وعمر بن أبي ربيعة عشق الثريا والأحوص عشق سلامة وأسعد بن عمرو عشق ليلى بنت صيفي ونصيب عشق زينب وسحيم عبد بني الحسحاس عشق عميرة وعبيد الله بن قيس عشق كثيرة وأبو العتاهية عشق عتبة والعباس بن الأحنف عشق فوز وأبو الشيص عشق أمامة. وعروة بن حزام ( قتيل الحب) عشق عفراء وقد ضرب في عروة بن حزام بعشقه المثل لأنه كان أطولهم صبوة وأكثرهم في العشق . بلغ العشق من عروة بن حزام أن أفرده ببلائه، وعذبه بدائه وآنسه بانفراده وشرّده عن بلاده وقتله .
عروه بن حزام ( قتيل الحب )
من شعراء العصر الإسلامي
توفي سنة 30 هـ / 650 م
وقصه موته محزنه ومؤثره جدا كما سترونها بالنهايه .
وقصه حياته بائسه ومحرومه كما سترونها فى البدايه .
هوعُروة بن حِزام بن مُهاصِر بن مالك أحدَ بني حزام بن ضبة بن عبد بن كبير بن عذرة .
وقد أحب ابنةَ عَمهِ عَفراءَ بِنتَ عقال مُهاصِر بنِ مالك الضبي وقد اشتهَر بَنو عذرَةَ بِشدةِ العِشقِ والْعِفَةِ فِيه ويعتبر عروة أحد المتيمين الذين قتلهم الهوى ولا يعرف له شعر إلا في عفراء بنت عمه. وقَد قِيلَ لأَحَدِ العذريين: مَا بَال الرجلِ مِنكم يَموت في هَوَى امرَأَةٍ ؟ فَأجابَ: لأن فِينا جَمَالاً وَعِفة.
روي من حديث عروة بن حزام وعفراء بنت عقال: أن حزاماً بن مهاصر مات وترك ابنه عروة صغيراً في حجر عمه عقال بن مهاصر. وكانت عفراء تِرباً لعروة يلعبان جميعاً ويكونان معاً حتى ألف كل واحد منهما صاحبه إلفاً شديداً. وكان عقال يقول لعروة لما يرى من إلفهما: أبشر فإن عفراء امرأتك إن شاء الله. فكانا كذلك حتى بلغا سِن الرشد ولحقت عفراء بالنساء ولحق عروة بالرجال وحُجب بينهما فثارت لوعة الحب والغرام في صدريهما جراء الفراق. شغف قلب عروة بحب ابنة عمه شغفا عظيما فا حبها حبا لم يستطع تحمله فذهب إلى عمه طالبا يد ابنته فلما اخبر عمه بذلك سر عمه بهذا الخبر وفرح ولكنه في نفس الوقت أسف وحزن لأنه يعلم أن ابن أخيه ليس لديه المال الكافي لمهر ابنته فقال لابن أخيه : كم سررت لسماع هذا الكلام فسر عروة لموافقة عمه وقال : ابشر يا عمي فما مهرك فقال عمه : ثمانون ناقة . فوافق عروة وطلب من عمه إمهاله سنتان حتى يجمع هذا المال فوافق عمه وقال أنت لعفراء وعفراء لك فا نطلق عروة يجمع المال من بلاد اليمن
ويقول في ذكر عمه :-
يكلفني عمي ثمانين ناقة =ومالي والرحمن غير ثمان
وصَحِبَه في طريقه فتيان من بني هلال بن عامر.
بينما كان عروة ورفيقاه الهلاليان يجدّون المسير التفت إليها، وقال يخاطبهما، ويروي لهما قصته، وما يعانيه من لواعج العشق والغرام :
خليلي مِن عليا هلال بن عامر=بصنعاء عوجاء اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الذخر عندي وأجملا=فإنكما بي اليوم مبتليانِ
ألما على عفراء إنكما غداً=بوشك النوى والبين معترفانِ
أحب ابنة العذري حبا وإن نأَت=ودانيت فيها غير ما مُتداني
إذا قلت لا قالا بلى ثم أصبحا=جميعاً علىالرأي الذي يريان
تحملت من عفراء ما ليس لي به=ولا للجبال الراسيات يدان
فيا رب أنت الْمستعان على الذي=تحملت مِن عفراء منذ زمانِ
وتمر الأيام والشهور ولا خبر عن عروة وبعد مرور سنة ونصف .
حينما غاب عروة في طلب المهر نزل في حي عفراء رجل ثري من أثرياء البلقاء الشامية فنحر الجزور ووهب وأطعم ورأى عفراء وكان منزله قريباً من منزل أهلها، فأعجبته وخطبها إلى أبيها فرفض طلبه فعدل الرجل الثري إلى أم عفراء فوافق عندها قبولاً وجاءت إلى زوجها عقال ولم تزل تهذر حتى قال لها زوجها: فإن عاد لي الرجل خاطباً أجبته فوجهت إليه أن عد إليه خاطباً فأعاد الرجلُ القول في الخطبة فأجابه أبوها وزوجه بعفراء، فقالت عفراء قبل أن يدخل بها:
يا عروَ إن الحي قد نقضوا=عهدَ الإله وحاولوا الغدرا
ثم رحلت مع زوجها إلى البلقاء في الشام، وأرشدت أمُّ عفراء والدَها إلى حيلة لتضليل عروة وخِداعه، فعمَد بناءً على طلبها إلى قبرٍ عتيق، فجدَّد وسوّاه، وسأل سكان الحي كتمان أمر زواج عفراء، وطلب منهم أن يقولوا لعروة: إنها ماتت وهذا قبرها .
عاد عروة بن حزام إلى مضارب قومه، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أياماً وهو مضنىً هالك .
وقال فى عفراء :
وإِني لتعرونِي لِذِكراكِ رعدة=لها بين جسمي والعِظام دبيب
وما هو إِلا أن أراها فجاءة=فأبهت حتى مَا أكاد أجِيب
وأصرف عن رايِي الذِي كنت أرتئي=وأَنسى الذي حدثت ثم تغيب
وقال ايضا :
على كبدي من حب عفراء قرحة=وعيناي من وجد بها تكفان
فعفراء أرجى الناس عندي مودة=وعفراء عني المعرض المتوان
فيا ليت كل اثنين بينهما هوى=من الناس والأنعام يلتقيان
فيقضي حبيب من حبيب لبانة=ويرعاهما ربي فلا يريان
وقال أيضا:
واني لأهوى الحشر إن قيل أنني=وعفراء يوم الحشر ملتقيان
فيا ليت محيانا جميعا وليتنا=اذا نحن متنا ضمنا كفنان
حتى جاءته جارية من الحي فأخبرته الخبر، فتركهم، ورحل إلى البلقاء في الشام فقدمها، ونزل ضيفاً على زوج عفراء، ثم قال لجارية لهم: "هل لك في يد تولينيها? قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت: سَوءة لك، أما تستحي لهذا القول? فقال لها: ويحك! هي والله بنت عمي، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعله سقط منه. فرَقّت لحالهِ الأمَة، وفعلت ما أمرها به.
فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته، فشهقت، ثم قالت: اصدقيني عن الخبر، فصدقتها. فلما جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا? قال: فلان بن فلان، فقالت: كلا والله يا هذا، بل هو عروة بن حزام ابن عمي، وقد كتم نفسه حياءً منك.
دعا زوج عفراء عروة، وعاتبه على كتمانه نفسه إياه، وقال له: على الرحب والسعة، نشدتك الله إن رُمت هذا المكان أبداً، وخرج وتركه مع عفراء يتحدثان. وأوصى خادماً له بالاستماع عليهما، وإعادة ما تسمعه منهما عليه، فلما خلوا تشاكيا ما وجدا بعد الفراق، فطالت الشكوى، وهو يبكي أحرَّ بُكاء، وقال عروة والله لا أقيم بعد علمه بمكاني هذا، وإني عالم أني أرحل إلى منيتي. فبكت وبكى، وقال: لي أمور، ولا بدَّ لي من رجوعي إليها، فإن وجدت من نفسي قوّة على ذلك، وإلا رجعت إليكم وزرتكم، حتى يقضي الله من أمري ما يشاء. فزودوه وأكرموه وودّعوه وانصرف حزيناً.
رحل عروة من مضارب زوج عفراء، وانتكس بعد صلاحه وتماثله، وأصابه غشيان وخفقان؛ فكان كلما أُغمي عليه أُلقِي على وجهه خِمار لعفراء زوّدته إياه؛ فيفيق، وبينما هو راحلٌ لقيه في الطريق ابن مكحول عراف اليمامة، وجلس عنده؛ وسأله عمّا به؛ وهل هو خبل أو جنون? فقال له عروة: ألك علم بالأوجاع?. قال: نعم؛ فقال عروة:
وما بي من خبل ولا بي جنة=ولكن عمي يا أُخي كذوب
أقول لعراف اليمامة داوني=فإنك إن داويتني لطبيب
فلم يجد له دواءاً وارتحل عروه لدياره فى بيت امه واعتزل الناس وصار طريح الفراش عاما كاملا لايكلم احد .
قصه وفاته :
قال النعمان بن البشير الأنصاري . (من الصحابة الأجلاء ) .
استعملني معاوية على صدقات بليّ وعذرة (قبيلتان) فلما قبضت الصدقة قسمتها في أهلها، فإنّي لفي بعض مياههم إذا أنا ببيت منحرد (منفرد ومنعزل) ناحية عن الحي فمِلتُ إليه، فإذا أنا بفتى راقد في فناء البيت، وإذا بعجوز وراءه في كسر البيت، فسلمت عليه، فرد علي بصوت ضعيف، فسألته: ما بك? فقال:
كأن قطاة علقت بجناحها=على كبدي من شدة الخفقانى
جعلت لعراف اليمامة حكمه=وعرّاف نجد إن هما شفياني
فقالا نعم نشفي من الداء كله=وقاما مع العواد يبتدرانى
فما تركا من رقية يعلمانها=ولا سلوة إلا وقد سقياني
فقالا شفاك الله والله ما لنا=بما حملت منك الضلوع يدانى
قال النعمان : ثم شهق شهقة خفيفة كانت نفسه فيها، فنظرتُ إلى وجهه فإذا هو قد قضى فقلت: أيتها العجوز، مَن هذا الفتى منك? قالت: ابني، فقلت: إني أراه قد قضى. يا أماه ، من هو? فقالت: ولدي ، فقال لها: ما بلغ به ما أرى? قالت: الحبُّ، والله ما سمعت له منذ سنة كلمة ولا أنّ أنّة إلا الساعه
ثمّ فتح عينيه مره اخرى ، وأنشأ يقول:
من كان من أمهاتي باكيا أبد=فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا
يسمعننيه، فإني غير سامعه =إذ حملت على الأعناق معروضا
ثمّخفت فمات فغمّضته وغسلته وصليت عليه ودفنته وقلت للمرأة من هذا فقالت: هذا قتيل الحب. هذا عروة بن حزام .
وقال الرواة : بلغ عفراء خبر وفاة عروة فقالت ترثيه :
ألا أيها الركب المخبون ويحكم=بحق نعيتم عروة بن حزام
فلا تهنأ الفتيان بعدك لذة=ولا رجعوا من غيبة بسلامِ
وقل للحبالى لا ترجين غائباً=ولا فرحات بعده بغلامِ
ويقال في رواية أخرى: إن عفراء عاشت حزينة على عروة حتى لَحِقت به فنقلت جنازتها ودفنت في قبر إلى جانب قبر عروة فنبتت فَوق كل قَبْر مِن قَبريهما شجرة فَلَما صار ساقَا الشجرتين على ارتفاع قَامَة التفت الشجرتانِ وتعانقتا في عناق أَبدي فَقال الذين شاهدوا الشجرتينِ: تآلفا فِي الحياة وفي الممات.
وبلغ خبر عروة و عفراء الخليفةَ معاويةَ بن أَبي سفيان رضِي الله عنهما فَقال: "لوعلمت بِحالِ هذَينِ الحرينِ الكريمينِ لجمعت بينهما".
المصدر : كتاب الاغانى – ابو الفرج الاصفهانى