زيد الوسمي
30-06-2009, 12:30 AM
دَلِيْلُ أَرْبابِ الفَلاحِ لِتَحْقِيْقِ فَنِّ الاِصطِلاحِ
تَالِيفُ
الشَّيخِ العَلاَّمَةِ حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ
رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىٰ
1342-1377 ﻫ
أنَقَلَهُ إليكم نسألُكُم الدَّعاءَ لهُ ولوالِدَيهِ
الحمد لله الفرد الصمد الواحد القهار المالك المتصرف مقلب الليل والنهار ، الخالق البارئ المصور الرازق ذي القوة المتين ، الذي رفع سبع سموات طباقاً بغير عمد تسند إليها، وبسط الأرض على متن الماء وأوقفها بالأطواد لئلا تضطرب بمن عليها ﴿ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ﴾ له مقاليد السموات والأرض فمن شاء أعطاه من فيض خزائنه ومن شاء منعه وبيده ميزان العدل فمن شاء أعزه وأعلاه ومن شاء أذله ووضعه ، لا راد لقضائه ولا معارض لحكمه وهو أحكم الحاكمين ، أطلع شموس السنة بحكمته البديعة ، فأشرقت أنوارها في سماء الشريعة ، فاضمحل بذلك دلس الضلالة وتنفس صبح الحق المبين ، أحمده سبحانه على تسلسل نعمه التي لا تحصى وأشكره على تواتر فضله الذي لا يستقصى وأسأله الأمن من هول يوم يستوي فيه القوي والضعيف والوضيع والشريف والغني والمسكين .
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام . شهادة صادرة عن يقين صادق واعتقاد صحيح لا شكوك تداخلها ولا أوهام ، نسأل الله الثبات عليها والعمل بمقتضاها حتى يأتينا اليقين ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله بأبلغ حجة وأقطع برهان ، وخصه بجوامع الكلم وأنزل عليه القرآن . فهو أكرم الأنبياء وخاتم الرسل وسيد الخلق أجمعين ؛ صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الذين عرفوا الحق فقبلوه ونصروه ، وأنكروا الباطل فردوه وقهروه ، فعلى بذلك كعبهم ورفعت عند الله درجاتهم وحفظ الله بهم الدين ، وعلى أتباعهم الذين نفروا في طلب علوم الدين جماعات وأفراداً ، ونقلوا إلينا أصوله وفروعه تواتراً وآحاداً وائتلفت قلوبهم على الحق واتفقت واجتمعت على صحة الاعتقاد فما اختلفت ولا افترقت وعلى تابعيهم وتابعي التابعين .
أما بعد : فإن أشرف العلوم بعد القرآن العظيم وأعلاها ، وأحقها بالبحث والتحقيق وأولاها ، علم السنة النبوية والآثار المصطفوية التي هي موضحة للقرآن ومبيّنة له ودالة عليه ومفصلة لمجمله ، وحالَّة لمشكله وهادية إليه ، ولا يتضح هذا العم غاية الاتضاح إلا بتحقيق الاصطلاح الذي هو الآلة المعينة على تحليله ، والدليل المرشد على سبيله ، فلا وصول إليه إلا بتحقيقه ، ولا سبيل إليه من طريقه ، ومن رغب عن هذا الفن الجليل ، فقد حرم معرفة المدلول والدليل ، وفاته خير كثير وفضل جزيل .
وقد جمعت في ذلك جملة مفيدة ونبذة فريدة في ذلك ، تشتمل على المهم من ذلك ، وتدل الطالب الراغب في تلك المسالك ، وإن كنت - لقصر باعي وقلة اطلاعي - لست من فرسان هذا الشأن , ولا ممن يجول في هذا الميدان ، ممن خاضوا غماره ، وجمعوا صغاره وكباره ، ولكني أحبَبتُ أن أقدح معهم بزند وأرمي بسهم ، واستضيء بنور ما اقتبسوا ، وأقتطف من ثمار ما غرسوا ؛ وأنقل ذلك من كتبهم ، وأقفو أثرهم تشبهاً بهم ، فـ : « من تشبه بقوم فهو منهم » فرحمهم الله ورضي عنهم .
• وجعلته على طريقة : السؤال والجواب ؛ ليكون أقرب لفهم الطلاب ، راجياً من الله جزيل الثواب ، وأن يهب لي من لدنه رحمة إنه هو الوهاب .
• وافتتحته :
1- بمقدمة : تُفصح عن تعريف هذا الفن رواية ودراية وما في ذلك من التصانيف المشهورة .
2- وختمته : بخاتمة تشتمل على فوائد منثورة .
• وسميته : (دَليلَ أربابِ الفَلاحِ لِتَحقيقِ فَنِّ الاصطِلاحِ) .
نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهه خالصة وأن لا يجعل لأحد فيها شيئاً إنه على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير .
مقدمة
(علمِ الحديثِ) رِوايَةً
1- [ تَعريفُهُ ] :
فأما علم الحديث رواية ؛ فهو : نقل السنة في أقوال النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأفعاله وتقريراته وخَلْقِهِ وخُلُقِهِ … وغير ذلك .
2- [ فيبحث فيه من حيث : ] : ( ) حفظها في الصدور ، وإثباتها بالسطور ، وضبطها وتحرير ألفاظها ، وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث وإخبار وغير ذلك ، وشروطها تحمل واريها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل ؛ من : سماع أو عرض أو إجازة … أو نحوها ، وأنواعها الاتِّصال والانقطاع ونحوهما ، وأحكامها القبول والرد ، وحالة الرواة مِن عدالة وجرح ( ) … ونحو ذلك ، وشروطهم في التَّحمُّلِ وفي الأداء ( ) ، وأصناف المرويَّات المصنَّفات من السُّنن والصِّحاح ( ) والجوامع والمسانيد والمعاجم … ونحوهما مِنَ الأحاديث والآثارِ ( ) … وغيرها .
3- [ تَدوينُ الحديثِ ] :
• [ جمعُهُ بلا ترتيبٍ ] :
وأول تدوينٍ لِلحديث : وقع على رأس المائة ، ففي البخاري "كتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله r فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء" وفي لفظ أبي نعيم : "كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الآفاق انظروا ما كان من حديث رسول الله r فاجمعوه" .
• [ جَمعُهُ على الأَبوابِ ] :
وأول من جمعه على الأبواب : جماعة في أثناء المائة الثانية كعبد الملك بن عبدالعزيز بن جريج بمكة المشرفة ، والإمام مالك ومحمد بن إسحاق وابن أبي ذئب بالمدينة المنورة وهشيم بن بشير السلمي بواسط ، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة بالبصرة . وسفيان الثوري بالكوفة ، ومعمر بن راشد باليمن ، وعَبْد اللهِ بن المبارك بخراسان وجرير بن عبدالحميد بالري ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم .
• [ جَمعُ المَرفوعٍ ] :
إلى أن رأى بعضهم ( ) أن تُفرَدَ أحاديث النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصَّةً ، فصنف عبيد الله موسى العبسي (مسنداً) ، ونعيم ابن حماد الخزاعي المصري (مسنداً) ، ثم اقتفى الأئمة آثارهم ؛ كأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهوية ، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم .
• [ جَمعُ الصَّحيحِ ] :
1 : [ صَحيحُ البُخاريّ ] :
وأول من اقتصر على (الصَّحيح) أبو عَبْد اللهِ محمد بن إسماعيل البخاري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فَصنف في ذلك كتابه (الجامع الصحيح) .
وهو مشتمل على : ألفين وستمائة حديث وحديثين من المتون الموصولة بلا تكرير ، وبالتكرير : سبعة ألاف وثلثمائة وسبعة وتسعون حديثاً .
- وفيه من المتون المعلقة المرفوعة :
التي لم يصلها في موضع ( ) آخر من (جامعه) : مائة وستون أو تسعة وخمسون .
وبما وصله : ألف وثلثمائة وأحد وأربعون حديثاً معلقا .
- وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات : ثلثمائة واحد وأربعون حديثاً .
فجميع ما فيه - على هذا - : المكرر تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثاً اﻫ مقدمة الفتح ( ) .
قال الحافظ رحمه الله : ( وهذه العدة خارجة عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات ) ( ) .
2 : [ صَحيحُ مُسلِم ] :
ومن بعده الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله صنف صحيحه المشهور .
وهو مشتمل على : أربعة آلاف حديث ، بدون تكرار ، وفيه التَّكرير غَيرُ كثيرٍ ( ) .
وعن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه : إثنا عشر ألفا حديث .
وقال الميانجي : ثمانية آلاف .
قال ابن حجر وعندي في ذلك نظر والله أعلم .
• وقال السيوطي : وقد وافق مسلم البخاري على ما في صحيحه إلا ثمانمائة وعشرين حديثاً" . وهما أصح كتاب بعد القرآن العظيم . وسيأتي إن شاء الله بحث في أيهما أفضل .
3 : [ مَن صَنَّف في الصّحيحِ ] :
وممن صنف بعدهما في الصحيح :
- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وكتابه يلي "صحيح مسلم" في الصحة .
- ثم "صحيح ابن حبان" وهو أخف شرطاً .
- ثم "مستدرك الحاكم" وقد التزم فيه شرط الشيخين أو أحدهما ، إلا أنه انتقد عليه كثير فيه وكلهم لم يلتزم استيعاب الأحاديث الصحاح .
• [ جَمعُ السُّنَنِ ] :
ومن أجلّ ما جُمِع في السنة - بعد الكتب الملتزمة صحتها - : (السنن الأربع) : أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ؛ لكنهم لم يلتزموا صحة جميع ما فيها .
1 : فأبو داود : يروي في الباب أقوى ما وجد فإن فقده روى الضعيف ويبينه غالباً ، ويترك ما اتفقوا على تركه ، واختلفوا فيما سكت عنه .
2 : ومثله النسائي .
3 : وأما الترمذي : فقد بين عقب كل حديث درجته من صحة وحسن وضعف وشهرة وغرابة … وغير ذلك .
ويقال لهذه الثلاثة مع (الصحيحين) : الأصول الخمسة .
4 : وأما ابن ماجة ؛ فهو : أكثرها حديثاً ضعيفاً ، وقد ثبتَت أصليته : لقوة نفعه وكثرة فقهه ، وكثرة زوائده على الموطأ ، وأول من ألحقه بها : ابن طاهر المقدسي ، وتبعه من صنف في الأطراف والرجال ، وبه صارت الأصول ستة ، ويقال لها : الأمهات الست ، ويقال لهم مع أحمد السبعة والجماعة .
ولم يفت هذه الأصول من الصحيح إلا النَّزر اليسير والله أعلم .
• [ المُستَخرَجاتُ ] :
وقد استخرج جماعة من الحفاظ على هذه الأمهات كتباً مستخرجة : فاستخرج الإسماعيلي والبرقاني والغطريفي وابن أبي ذهل وأبو بكر بن مردوية على البخاري .
واستخرج أبو عوانة وابن حمدان وابن النيسابوري والجوزقي و [الشاركي] وأبو الوليد القرشي وأبو عمران الجويني وأبو نصر الطوسي وأبو سعيد الجيري على : مسلم ، واستخرج أبو نعيم وابن الأخرم والهروي والخلال والماسرجسي وأبو مسعود الأصبهاني ،واليزدي ، على : كل منهما ، واستخرج محمد بن أيمن على : أبو داود . واستخرج الطوسي على : الترمذي .
واستخرج أبو نعيم على : توحيد ابن خزيمة ، والعراقي على : المستدرك .
وصورة الاستخراج : أن يروي أحاديث كتاب من غير طريق مصنفه مجتمعاً معه في شيخه فصاعداً .
ومن فوائده : العلو ، والزيادة في قدر الصحيح ، وكثرة الطرق ، وتبيين المبهم والمهمل ، وتبيين سماع : المدلس والمختلط ، وسلامة ما أُعِلّ فيما استخرج عليه ، والله أعلم فرحمهم الله ورضي الله عنهم .
عِلمِ الْحَدِيثِ دِرِايَةً
وأما علم الحديث دراية فيعرف : بمصطلح الحديث .
1- وموضوعه ( ) : بيان قواعد البحث في آحاد السنة عن أحوال السند والمتن وما يتعلق بهما .
والسَّند هو : الإخبار عن الطريق المتن .
والمتن هو : ما انتهى إليه السند من الكلام :
- فإن كان من كلام النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو ما في حكمه - : قيل له : حديث ، وخبر ، وأثر .
- ويقال له إذا عزاه لربه عز وجل : الحديث القدسي .
- وإن كان من كلام غير النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قيل له : خبر وأثر ، ولم يقل له : حديث .
2- فيبحث في أحوال السند من حيث : انتهائه من مرفوع وموقوف ومقطوع ، وفي ذاته من : متصل ومنقطع ، ومسلسل وعال ونازل وأنواع كل منها .
3- ويبحث في أحوال المتن :
باعتبار : طرقه من مشهور وعزيز وغريب .
وباعتبار : مراتبه من صحيح وحسن وضعيف ومحفوظ وشاذ ومعروف ومنكر ومتابع وشاهد .
وباعتبار : الاستدلال والعمل به ؛ من : محكم ومعارض وناسخ ومنسوخ وراجح ومرجوح وما يتعلق بها .
وباعتبار : علله ؛ من : معلق ، ومرسل ، ومعضل ، ومنقطع ، ومدلس ، وموضوع ؛ ومتروك ، ومعلل ، ومدرج ، ومقلوب ، ومزيد ومضطرب ، ومصحف ، ومحرف ، ومجهول ، ومبهم ، ومختلط .
وعن : صيغ الأداء ؛ من : سماع ، وتحديث ، وإخبار ، وإنباء ، وقراءة ، ومناولة ، ومشافهة ، ومكاتبة ، وإجازة ، وعنعنة ، وقول ، ووصية ، ووجادة .
وعن : أسماء الرواة وكناهم وألقابهم وأنسابهم ؛ من : متفق ، ومفترق ، ومؤتلف ، ومختلف ، ومبهم ، ومتشابه … وغير ذلك .
وعن : طبقاتهم ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وسيرهم وأحوالهم تعديلاً وجرحاً ، ومراتب كل منها .
وأيضاً : آداب الشيخ والطالب . وسن التحمل والأداء . وصفة كتابة الحديث وسماعه وإسماعه . والرحلة فيه . وسببه . وتصنيفه … وغير ذلك .
4- ومقصوده : معرفة المقبول من المردود .
5- وفائدته : حماية الدين من أن يدخل فيه ما ليس منه .
6- ونسبته إلى العلوم ؛ هو : أشرفها لشرف متعلقه .
7- واستمداده : بالاستقراء من كتب الفن .
8- وواضعه - كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في خطبة (شرحه على النخبة) - :
( أول من صنف في ذلك :
- القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه (المحدث الفاصل) ؛ لكنه لم يستوعب .
- والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ؛ لكنه لم يهذب ولم يرتب .
- وتلاه : أبو نعيم الأصبهاني ؛ فعمل على كتابه مستخرجاً ، وأبقى أشياء للمتعقب .
- ثم جاء بعدهم : الخطيب أبو بكر البغدادي ؛ فصنف في : قوانين الرواية كتاباً سماه (الكفاية) ؛ وفي آدابها : كتاباً سماه (الجامع لآداب الشيخ والسامع) . وقَلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً ، فكان - كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة - : ( كل من أنصف عَلِمَ أنَّ المحدثين بعد الخطيب عيالٌ على كتبه ) .
- ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب ؛ فأخذ من هذا العلم بنصيب فجمع القاضي عياض كتاباً سماه : (الإلماع) ، وأبو حفص الميانجي جزءاً سماه : (ما لا يسع المحدث جهله) … وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت ؛ وبسطت : ليتوفر علمها ، واختصرت : ليتيسر فهمها … .
- إلى أن جاء الفقيه الحافظ تقي الدين أبو عمر وعثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهروذوري نزيل دمشق ، فجمع لَمَّا وُلي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور ؛ فهذب فنونه ، وأملاه شيئاً بعد شيء فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب ، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة : فجمع شتات مقاصدها ، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها ، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره ، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره ، فَلا يُحصى كم : ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر ) ﻫ .
قلت : فمن الناظمين له : العراقي في (ألفيته) .
ومن المختصرين له : الإمام النووي في (تقريبه) ، وقد شرحه الجلال السيوطي رحمه الله شرحا سماه : (التَّدريب) وهو من أجمع المبسوطات .
ومن أيسر المختصرات وأكثرها فائدة : (نخبة الفكر وشرحها) كلاهما للحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى .
واعلم أن هذا العلم بحر لا ساحل له ، وهو أنواع كثيرة ، وقد صنف في كل نوع مصنفات مستقلة ولم يحيطوا به ، وقد قال الحافظ الحازمي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : ( إن علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة ، كلٌّ منها علم مستقل ، لو انفق الطالب فيه عُمرَه لما أدرك نهايته ) ﻫ .
وهٰذا أوانُ الدُّخولِ من أبوابِهِ ، والخوضِ في عُبابِهِ
والله المستعان وبه التوفيق وعليه التُّكلان
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
[ البابُ الأَوَّلِ : أَحوالُ الْمَتنِ ]
[ الفَصلُ الأَوَّلُ : أقسامُهُ باعتِبارِ طُرُقِهِ ]
1 : إلى كم ينقسم الخبر ؟
ج : ينقسم الخبر إلى : متواتر وآحاد .
2 : ما هو المتواتر ؟ وما حكمه ؟ وكم قسم هو ؟
ج : المتواتر ؛ هو : رواية عدد كثير أحالت العادة تواطئهم على الكذب . رووا ذلك عن مثلهم في الوصف المذكور من الابتداء إلى الانتهاء ، وكان مستند انتهائهم الحس – أي الأمر المشاهد أو المسموع لاقتضاه العقل الصرف ، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه .
وحكمه : إفادة العلم اليقين الضّروري من غير نظر .
وهو قسمان :
1- متواتر لفظاً ومعنى : وهو قليل في الحديث .
2- ومتواتر معنى فقط : وهو كثير فيه .
وأما القرآن ؛ فجميعه : متواتر لفظاً ومعنى .
3 : ما مثال المتواتر لفظاً ومعنى ؟ وما مثال المتواتر معنى فقط ؟
ج: من أمثلة المتواتر لفظاً ومعنى حديث : "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فإنه جاء عن بضعة وسبعين صحابياً منهم العشرة المشهود لهم بالجنة بهذا اللفظ ، أما بالمعنى فإنه جاء عن مائتين من الصحابة كما نقله النووي-رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-
ومثله حديث : "رفع اليدين في الصلاة" إذ رَوَاهُ نحو خمسين صحابياً بلفظ واحد منهم العشرة أيضاً ؛
وحديث : "نضر الله أمرءاً سمع مقالتي فوعاها" ، إذ رَوَاهُ نحو ثلاثين صحابياً كذلك ، ومن أمثلة التواتر معنى فقط حديث : "رفع اليدين في الدعاء" إذ روى فيه نحو مائة حديث في قضايا مختلفة . ومن المتواتر حديث المسح على الخفين ، وحديث نزل القرآن على سبعة أحرف وأحاديث الحوض وانشقاق القمر وأحاديث الهرج والفتن في آخر الزمان وغير ذلك ، وقال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - : "ومِنْ أحسن ما يقرر به كونُ المتواتر موجوداً وجودَ كَثْرَةٍ في الأحاديث أنَّ الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً ، المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم [اليقيني] بصحته إلى قائله ومثال ذلك في الكتب [المشهورة] كثير" ا هـ .
قال شيخنا : -حفظه الله- : "يحمل قول من ادعى عزته على المتواتر لفظاً ومعنى ، وقول من قال بكثرته على المتواتر معنى فقط" . أ.هـ . وهو جمع حسن.
4 : ما هو الآحاد ؟ وإلى كم قسم ينقسم باعتبار طرقه ؟
ج: هو : ما كانت طرقه محصورة لم تبلغ حد التواتر السابق ، وينقسم باعتبار طرقه إلى ثلاثة أقسام : مشهور ، وعزيز ، وفرد .
5 : ما هو المشهور ؟ وإلى كم قسم ينقسم ؟ وما أمثلته ؟
ج: المشهور هو : ما جاء من ثلاث طرق فصاعداً إلى حد التواتر ؛ ويطلق على المتواتر الشهرة ، والفرق بينهما : ما مر في حد المتواتر فكل متواتر : مشهور ، ولا عكس ؛ وينقسم المشهور باعتبار موضع الشهرة من السند إلى قسمين : قسم تكون الشهرة في جميع سنده من أوله إلى آخره ويقال له : "المستفيض" كحديث : "النهي عن استقبال القبلة واستدبارها" في قضاء الحاجة فإنه مروي عن جماعة من الصحابة في عامة الأصول منهم : أبو أيوب في "الصحيحين" . وأبو هريرة وسلمان في مسلم وغيره ، وعَبْد اللهِ بن الحارث في ابن ماجه وابن حبان ، ومعقل ابن أبي معقل الأسدي في أبي داود ، وسهل بن حنيف في "مسند" الدارمي –رحمهم الله- . وقسم تطرأ عليه الشهرة في أثناء السند من عند أحد رواته وقد يكون في أول سنده فرداً : كحديث عمر في "الصحيحين" وغيرهما : "إنما الأعمال بالنيات" الخ فإن أول إسناده فرد تفرّد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول الحديث ، وليس له طريق يصح غير هذا –كما قال علي بن المديني وغيره- ثم رَوَاهُ عن الأنصاري الجم الغفير والخلق الكثير فقيل : رَوَاهُ عن أكثر من مائتي راو ، وقيل : سبعمائة راو ، ومن أعيانهم : الإمام مالك ، والثوري والأوزاعي ، وابن المبارك والليث ابن سعد ، وحماد بن زيد ، وشعبة ، وابن عيينة وغيرهم . ثم ينقسم باعتبار الشهرة عند الناس إلى ثلاثة أقسام : مشهور عند المحدثين وغيرهم : كحديث "الصحيحين" وغيرهما : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". ومشهور عند المحدثين خاصة : كحديث أنس رضي الله عنه : "أن رسول الله r قنت شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان" الحديث . فهذا حديث اتفق عليه الشيخان من رواية سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أنس ، ورَوَاهُ عن أنس جميع غير أبي مجلز ؛ ثم عنه جماعة غير التيمي ، ثم جماعة عن التيمي بحيث اشتهر بين المحدثين ، أما غيرهم فربما استغربه لأن الغالب رواية التيمي عن أنس بلا واسطة وهذا بواسطة .
ومشهور على ألسنة العامة ولو لم يكن له إلا إسناد واحد ، بل منها مالا يوجد له إسناد أصلاً كخبر "حب الوطن من الإيمان" .
6 : ما هو العزيز ؟ وما مثاله ؟
ج: العزيز هو : ما جاء من طريقين فقط بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين ؛ ومن أمثلته ما رَوَاهُ الشيخان من حديث أنس والبخاري من حديث أبي هريرة فأن رسول الله r قال : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" رَوَاهُ عن أنس : قتادة وعبدالعزيز بن صهيب ، ورَوَاهُ عن قتادة : شعبة وسعيد ، ورَوَاهُ عن عبدالعزيز : إسماعيل بن علية وعبدالوارث ورَوَاهُ عن كل جماعة .
7 : هل يكون الحديث عزيزاً مشهوراً ؟
ج : نعم ومن أمثلته حديث "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" الحيدث فهو عزيز عن النبي r رَوَاهُ حذيفة وأبو هريرة . ومشهور عن أبي هريرة رَوَاهُ عنه سبعة : أبو سلمة بن عبدالرحمن وأبو حازم وطاوس والأعرج وهمام وأبو صالح وعبدالرحمن مولى أم برثن .
8 : ما هو الفرد ؟ وإلى كم قسم ينقسم باعتبار ما يقع فيه التفرد ؟ وإلى كم قسم ينقسم باعتبار المتفرد ؟
ج: ينقسم بحسب ما يقع فيه التفرد إلى خمسة أقسام ، الأول : ما وقع التفرد في سنده ومتنه كحديث : "بيع الولاء وهبته" فإنه لم يصح إلا من حديث عَبْد اللهِ بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وكحديث عمر في "النية" قبل أن يصل إلى يحيى بن سعيد ؛ .
الثاني : ما وقع التفرد في سنده دون متنه كحديث رَوَاهُ عبد المجيد [بن عبد العزيز ابن أبي ] روَّاد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-عن النبي r : "الأعمال بالنية" قال في الارشاد : "فقد أخطأ فيه عبدالمجيد" لأنه غير محفوظ عن زيد بن أسلم . قال اليعمري : هو إسناد غريب والمتن صحيح .
الثالث : عكس هذا وهو ما يقع التفرد في متنه دون سنده . وهو الذي لا يوجد له مثال كما قرره ابن الصلاح –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-
الرابع : ما وقع التفرد في بعض سنده كحديث : "أم زرع" المشهور فإن المحفوظ فيه ما رَوَاهُ : عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أخيه عَبْد اللهِ بن عروة عن أبيهما عن عائشة ، ورَوَاهُ الطبراني من حديث : الدراوردي ، عن هشام ، عن أبيه بدون واسطة أخيه عَبْد اللهِ قال أبو الفتح : "فهذه غرابة تخص موضعاً من السند والحديث صحيح" .
الخامس : ما وقع التفرد في بعض متنه ، وقد مثل له جماعة من أهل العلم الاصطلاح بحديث زكاة الفطر وهو : "فرض رسول الله r زكاة الفطر في رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين" حيث قالوا فيه : إن مالكاً تفرد عن سائر رواته بقوله : "من المسلمين" ا هـ وقد نقلته من كتبهم ثم رأيت البخاري متابعاً لمالك وهو : عمر بن نافع ، وفي مسلم متابعاً له وهو : الضحاك بن عثمان ، ثم رأيت في "شرح العيني على صحيح البخاري" رحمهما الله أنه : قد تابعه أربعة غير من ذكر وهم : عَبْد اللهِ ابن عمر العمري عند الحاكم ، وكثير بن فرقد عنده وهند الدارقطني والطحاوي ، وعبيدالله بن عمر العمري عند الدارقطني ، ويونس بن يزيد عند الطحاوي فهؤلاء سبعة من الثقاة قد تابعوا مالكاً على هذه اللفظة ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والأولى التمثيل لهذا القسم بحديث "المستحاضة" فقد روى من طرق كثيرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة . قال النسائي : "لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث : "وتوضئ" غير حماد بن يزيد" .
وينقسم باعتبار المتفرد إلى قسمين : فرد مطلق وهو : ما انفرد به غيره ويقال له : الغريب ويقل إطلاق الفردية عليه تسمية .
ثم قد يطلق إذا لم يكن له طريق سواه كقول الترمذي - – رحمه الله – "لا نعرفه إلا من هذا الوجه" ، وقد يقيد والتقييد يقع بثلاثة أشياء : الأول : ما قيد بثقة ، فيقال : لم يروه ثقة إلا فلان ، كقولهم في حديث : "قراءته r في الأضحى والفطر (ق) و (اقتربت) لم يروه ثقة إلا ضمرة ابن سعيد فقد انفرد به عن عبيد الله بن عَبْد اللهِ عن أبي واقد الليثي صحابيه ، وإنما قيد بثقة لكونه قد رَوَاهُ غير ثقة . فقد أخرجه الدارقطني – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى – من رواية بن لهيعة – وقد وضعه الجمهور – عن خالد بن يزيد ، عن الزهري ، عن عائشة ؛ الثاني : ما قيد ببلد معين لم يروه غير أهله : كمكة ، والبصرة ، كقول الحاكم – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى – في حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود في كتابيه "السنن" و "التفرد" عن أبي الوليد الطيالسي ، عن همام ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عنه رضي الله عنه قال : "أمرنا رسول الله r أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" : لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة ، قال : إنهم تفردوا بذكر الأمر فيه من اول الإسناد إلى آخره ولم يشركهم في لفظة سواهم ، وكذا قال في حديث عَبْد اللهِ بن زيد في : صفة وضوء النبي r إن قوله "ومسح رأسه بماء فير فضل يديه" سنة غريبة تَفَرَّد بها أهل مصر لم يشركهم واحد من أهل البلد فيصير من القسم الأول وهو : مالم يقيد بصفة فينظر في حال المتفرد ؛ الثالث : ما قيد براو مخصوص ، فيقال فيه : لم يروه عن فلان إلا فلان ، كقول أبي الفضل بن طاهر عقب الحديث المروي في "السنن الأربعة" من طريق سفيان بن عيينة ، عن وائل بن داود، عن ولده بكر بن وائل ، عن الزهري ، عن أنس –رضي الله عنه- : "أن النبي r أولم على صفية بسويق وتمر" لم يروه عن بكر إلا وائل ولم يروه عن وائل غير ابن عيينة فهو غريب ، وكذا قال الترمذي : إنه حسن غريب ، قال: "وقد رَوَاهُ غير واحد عن ابن عيينة عن الزهري –يعني بدون وائل وولده- قال: وكان ابن عيينة ربما دلسهما" .
9 : بماذا تزول الغرابة عن الحديث الذي يظن أنه غريب ؟
ج : تزول الغرابة عنه إذا وجد له متابع أو مشاهد ، والمتابعة هي : موافقة راوٍ آخر لذلك المتفرد أو لشيخه فصاعداً وشرطها كونه من رواية ذلك الصحابي فإن كانت للراوي نفسه فمتابعة تامة ، أو لشيخه فصاعداً فقاصرة ، والشاهد هو : ما إذا وجد متن يشبهه من رواية صحابي آخر لفظاً أو معنى .
10 : ما مثال المتابعة التامة ؟ وما مثال المتابعة القاصرة ؟ .
ج : مثال المتابعة التامة : الحديث الذي رَوَاهُ الشافعي –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في "الأم" عن مالك عن عَبْد اللهِ بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال : "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين" .
فهذا الحديث بهذا اللفظ ظنَّ قوم أنَّ الشافعي تفرَّد به عن مالك-رحمهما الله تعالى- فعدوه في غرائبه لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد وبلفظ : "فإن غم عليكم فاقدروا له" لكن وجدنا للشافعي متابعاً وهو : عَبْد اللهِ بن مسلمة القعنبي : أخرجه البخاري عنه عن مالك كذلك . فهذه المتابعة للشافعي نفسه.
ومثال المتابعة القاصرة في الحديث المذكور قال الإمام مسلم –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة . حدثنا عبيدالله ، عن نافع عن ابن عمر –رضي الله عنهما- : "أن رسول الله r ذكر رمضان فضرب بيديه فقال : الشهر هكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أُغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين" وكذا ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عاصم بن محمد بن زيد ، وكذا ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عاصم بن محمد بن زيد ، عن أبيه ، عن جده ابن عمر بلفظ : "فإن غُمَّ عليكم [ فأكملوا] ففي هذين الإسنادين متابعة من نافع ومحمد بن زيد لشيخ مالك عَبْد اللهِ بن دينار ، وهي متابعة تامة لعَبْد اللهِ قاصرة لمالك وأقصر منها للشافعي –رحمهم الله تعالى- .
11 : ما مثال الشاهد لفظاً وما مثاله معنى ؟
ج : مثاله لفظاً حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- في النسائي قال –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:- أخبرنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء – وهو ثقة بصري أخو أبي العالية – قال : أنبأنا حبان بن هلال قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله r : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" أخبرنا محمد بن عَبْد اللهِ بن يزيد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن حنين ، عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال : (عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله r : "إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فافطروا ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " .
ومثاله معنى : ما رَوَاهُ البخاري –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- من رواية محمد بن زياد سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال النبي r أو قال قال أبو القاسم r : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُبىَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" والنسائي من روايته أيضاً بلفظ : "فإنْ غُمّى عليكم الشهر فعدوا ثلاثين" والنسائي من روايته أيضاً بهذا اللفظ إلا أن فيه : "غُمَّ" –بدل- "غمى" ، وفي لفظ له : "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين" وفيه من رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه : "إذا رأيتموه فصوموا ؛ وإذا رأيتموه فافطروا فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين" وفيه من رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه : "إذا رأيتموه فصوموا ؛ وإذا رأيتموه فافطروا فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" وفيه وفي الترمذي من رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : "فإن حالت دونه غَيَايةً فأكملوا ثلاثين" زاد الترمذي : (يوما) ، ومثله في أبي داود إلا أنه قال : (غمامة) بدل : "غياية" .
12 : بماذا يتوصل إلى ذلك وما كيفيته ؟
ج : يتوصل إلى ذلك بطريقة الاعتبار ، وهو : تتبع الطرق من "الجوامع" و"المسانيد" و"السنن" و"المعاجم" و"الأطراف" ، قال القسطلاني : وقد مثل ابن حبان –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لكيفية الاعتبار بأن يروى حماد بن سلمة حديثاً لم يتابع عليه ، عن أيوب ، عن ابن سيرين عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي r فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين فإن وجد علم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رَوَاهُ عن أبي هريرة وغلا فصحابي غير أبي هريرة رَوَاهُ عن النبي r فأي ذلك وجد علم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه وإلا فلا .
13 : علام يتوقف العمل بالآحاد وإلى كم قسم ينقسم بعد ذلك ؟
ج: يتوقف العمل بخبر الآحاد على : البحث عن أحوال رواته .
وينقسم بعد البحث إلى ثلاث أقسام :
1- قسم ظهر فيه أصل صفة القبول ؛ وهو ثبوت صدق ناقله : فيقبل .
2- وقسم يظهر فيه أصل صفة الرد ؛ وهو ثبوت كذب ناقله : فيرد .
3- وقسم لم يظهر فيه شيء من ذلك : فيتوقف فيه ؛ حتى تلحقه قرينة بأحد القسمين .
[ الفَصلُ الثَّانِي : أقسامُهُ باعتِبارِ قَبولِهِ وردِّهِ (مَراتِبِهِ) ]
أوَّلاً : مَبَاحِثُ الْمَقبولُ
14 : كم درجات المقبول وما هي ؟
ج : للمقبول درجتان : صحيح وحسن ، والصحيح درجتان : لذاته ولغيره، والحسن درجتان : لذاته ولغيره ، فدرجاته إذاً أربع : صحيح لذاته وحسن لذاته وصحيح لغيره وحسن لغيره .
15 : ما تعريف الصحيح لذاته وما تعريف شروطه وما يخرج بكل منها؟
ج : الصحيح لذاته هو رواية عدل تام الضبط متصل السند غير معلٍّ ولا شاذ والمراد بالعدل : من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة . والمراد بالتقوى : اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة . ويخرج بالعدل خمسة : الكاذب ، والمتهم به، والفاسق بمكفر وغيره . والمبتدع ، والمجهول . والمراد بالضبط : الحزم في الحفظ وهو ضبطان : ضبط صدر وهو : ما إذا سمع الحديث لم ينسه بل متى شاء استحضره ، وضبط كتاب وهو : ما إذا سمع الحديث لم ينسه بل متى شاء استحضره ، وضبط كتاب وهو : ما إذا سمع الحديث كتبه وصانه لديه من الغلط والتحريف منذ سمع فيه إلى أن يؤدي منه ، ويخرج بالضابط خمسة : الواهم ، وفاحش الغلط ، والكثير الغفلة ، والكثير المخالفة للثقات ، وسيء الحفظ ؛ والإشارة بتام إلى : الدرجة العليا في الضبط ويخرج به : خفيف الضبط وهو : راوي الحسن لذاته ، والمراد بمتصل السند : ما سلم سنده من سقوط فيه بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه ، ويخرج بالمتصل خمسة : المعلق ، والمرسل ، والمعضل ، والمنقطع والمدلس ؛ والمراد بغير معلٍّ : ما سلم من علَّة قادحة . والمراد بغير شاذ : ما سلم من الشذوذ وهو انفراد الثقة مخالفا للثقات ؛ والخارج بهذين الآخرين داخل فيما خرج بالضبط ، فالخارج بالأول يدخل في الوهم والخارج بالثاني يدخل في المخالفة .
16 : هل تتفاوت رتب الصحيح ؟
ج : نعم تتفاوت رتبه بسبب تقاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية ، وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات المرجحة كان أصح مما دونه . ويقع التفاوت في الصحة سنداً ومتناً وإطلاقاً وتقييداً ، فمن الدرجة العليا في التفاوت بحسب السند ما أطلق عليه : أصح الأسانيد ، كرواية : أحمد ، عن الشافعي ، عن مالك ، ومالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال البخاري : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر . وزاد ابن طاهر –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : الشافعي عن مالك ، وزاد بعض من المتأخرين كالعراقي : أحمد عن الشافعي ، والزهري عن سالم عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أطلقه عليه : احمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وابن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي ابن أبي طالب –رضي الله عنه- . أطلقه عليه : ابن المديني :- من رواية عَبْد اللهِ بن عون ، وعمرو بن علي الفلاس من رواية أيوب السختياني ، والأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أطلقه عليه : يحيى بن معين –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ، ودنها : كحماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس ، وبريد بن عَبْد اللهِ بن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنهما ، ودونها : كالعلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة –رضي الله عنه-، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- ، فالجميع يشملهم اسم العدالة والضبط إلا أن في المرتبة الأولى من الصفات المرجحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها ، وفيها –أي التي تليها- من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة ، وفيها –أي الثالثة- من تمام الضبط ما يقتضي تقديمها على الحسن لذاته ، وهذا التفاوت في الإسناد بحسب الإطلاق ، وقد أطلق على أسانيد كثيرة غير ما تقدم بأنها أصح الأسانيد أو أقواها أو أجودها ، منها : الزهري عن زين العابدين عن أبيه عن جده ، أطلق ذلك عليه ابن أبي شيبة وعبدالرزاق ، وعبيد الله بن عَبْد اللهِ بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما أطلقه عليه النسائي ، وشعبة عن عمرو ابن مرة الكوفي عن أبيه مرة عن أبي موسى رضي الله عنه أطلقه عليه وكيع ، وشعبة عن قتادة بن دعامة السدوسي عن سعيد بن المسيب عن عامر أخي أم سلمة عن أم سلمة وهذا منقول عن حجاج ابن الشاعر ، وعبدالرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أطلقه عليه ابن معين ، ويحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أطلقه عليه الشاذكوني ، وأيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أطلقه عليه أحمد وقال : فإن كان من رواية حماد بن زيد فيالك ، ومنها ترجيح بن أبي حاتم ترجمة يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن أبن عمر رضي اله عنهما ، وأما التفاوت المقيد فيقع تقييده بالتراجم والبلدان" .
أما المقيد بالتراجم فقال الحاكم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "أصح أسانيد الصديق رضي الله عنه : إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه ، وأصح أسانيد عمر رضي الله عنه : الزهري عن سالم عن أبيه عنه ، وأصح أسانيد أهل البيت : جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ، وأصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه : الزهري عن سعيد بن المسيب عنه ، وأبو الزناد عن الأعرج عنه ، وحماد بن زيد عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عنه . وأصح أسانيد ابن عمر رضي الله عنهما : مالك عن نافع عنه وهي سلسلة الذهب المشهورة ، وأصح أسانيد عائشة رضي الله عنها : عبيد الله بن عمر بن حفص عن القاسم عن عائشة، وأصح أسانيد ابن مسعود رضي الله عنه : سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود" . وقال البزار : "رواية علي بن الحسين بن علي عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أصح إسناد يروي عن سعد" .
وأما المقيد بالبلدان ، فقال الإمام تقي الدين ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث ما رَوَاهُ أهل المدينة ثم أهل البصرة ثم أهل الشام . وقال الخطيب رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة فإن التدليس فيهم قليل ، والكذب ووضع الحديث فيهم عزيز ، ولأهل اليمن روايات جيدة وطرق صحيحة إلا أنها قليلة ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضاً ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم ، والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل قليلة السلامة من العلل ، وحديث الشاميين أكثر مراسيل ومقاطيع ، وما اتصل منه مما أسنده الثقات ، فإنه صالح والغالب عليه ما يتعلق بالمواعظ ، وقال هشام بن عروة : إذا حدثك العراقي بألف حديث فَألقِ تسعمائة وتسعين وكن من الباقي في شك" ا هـ . قلت : وكما فاوتوا بين البلدان في الثبت كذلك جعلوا لكل بلد سنداً هو أصح أسانيده . فقالوا : أصح الأسانيد لمكة : سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد الأزدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأصح الأسانيد للمدينة :-إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- وأصح الأسانيد لليمن : معمر بن راشد عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وأثبت أسانيد المصريين : الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه . وأثبت أسانيد الخراسانيين : -الحسين بن واقد عن عَبْد اللهِ بن بريدة عن أبيه . وأثبت الأسانيد لأهل الشام :-أبو عمرو الأوزاعي عن حسان بن عطية المحاربي عن الصحابة رضي الله عنهم . ذكره الحاكم . قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "رجح بعض أئمتهم رواية سعيد بن عبدالعزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه" وغير ذلك من التراجم وقد جمع الحافظ أبو الفضل العراقي فيما عد من أصح الأسانيد إطلاقاً وتقييداً كتاباً في الأحكام رتبة على أبواب الفقه سماه : "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وقد فاته جملة من الأحاديث كما قاله ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وأما التفاوت بحسب المتن فأصح متن على الإطلاق ما جاء من ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد . وأمّا على التقييد فأصح الأحاديث : ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى سنداً ومتناً أو متناً فقط ثم ما انفرد به البخاري ثم انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما مما لم يخرجاه ثم ماكان على شرط البخاري ثم ما كان على شرط مسلم ثم ما كان على شرط غيرهما ممن التزم الصحيح ومعنى كونه على شرطهما : كون إسناد هذا المتن وعندهما ممن التزم الصحيح ومعنى كونه على شرطهما : كون إسناد هذا المتن عندهما أو عند أحدهما مع باقي شروط الصحة من الضبط والعدالة وغيرهما ، وعلى هذا مشى جماعة كابن دقيق العيد والنووي والذهبي وغيرهم رحمهم الله ، وقيل : إن المراد بشرطهما : أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور. وقيل غير ذلك .
وإنما قُدِّمَ البخاري ومسلم : لاتقاق العلماء على تلقي كتابيهما بالقبول ، وعلى أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل . ثم قَدَّمَ الجمهور صحيح البخاري لكون شرطه من حيث الاتصال أقوى من شرط مسلم وأشد ، لنه يشترط اللقى مع المعاصرة ، ومسلم يكتفي بمجرد المعاصرة ولكون الصفات التي تدور عليها الصحة من حيث العدالة والضبط في كتاب البخاري أتم منها في مسلم وأسد لأن الذين تكلم فيه من رجال مسلم الذين تفرد بهم دون البخاري . وذلك أن جملة الذين انفرد البخاري لهم دون : -مسلم أربعمائة وبضع وثمانون رجلاً . المتكلم فيه بالضعف منهم : ثمانون رجلاً وجملة الذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري :-ستمائة وعشرون رجلاً . المتكلم فيه بالضعف منهم : مائة وستون رجلاً ، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم بخلاف مسلم في الأمرين ، ولأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث التي انفرد بها أقل عدداً مما انتقد على مسلم وذلك أن جملة ما تكلم فيه من أحاديثهما : مائتان وعشرة أحاديث اشتركا في : اثنين وثلاثين واختص البخاري : بثمانية وسبعين حديثاً ، ومسلم : بمائة حديث هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجلَّ من مسلم وأعرف بصناعة الحديث وعلله حتى الإمام [مسلماً] نفسه رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أقر له بذلك وقال : "دعني أقبل قدميك يا أستاذ الأستاذين وطبيب الحديث في علله" وبعض العلماء سوَّى بينهما وبعضهم رجح البخاري من حيث الصحة ومسلماً من حيث الصناعة رحمهما الله . ويلي مسلماً في الصحة "صحيح أبي بكر ابن خزيمة" فهو أعلى رتبة من "صحيح ابن حبان" لشدة تحريه حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد فيقول : إن صح الخبر أو إن ثبت كذا ونحو ذلك ، ويليه "صحيح ابن حبان" فإنه قد وفى بشرطه فيه وإن كان خفيفاً فإنه يخرّج في "الصحيح" : "وما كان راويه غير مدلِّس سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع" ، و"إذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة" . وفي كتاب "الثقات" له كثير ممن هذه حاله ، وهذا دون شرط الحاكم في "مستدركه" . إذ شرَطَ أن يُخرِّج لرواة خَرَّجَ الشيخان أو أحدهما لهم أو لمثلهم معبراً عن الأول بقوله : "صحيح على "شرط الشيخين" ، أو "على شرط البخاري أو مسلم" ، وعن الثاني بقوله : "هذا حديث صحيح الإسناد" ، وإنما قالوا فيه أنه أدنى رتبة من "صحيح ابن حبان" لكونه لم يف بهذا الشرط في جميعه بل وجد فيه تساهل ، وسببه كما قال ابن حجر –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : لأنه سَوَّدَ الكتاب لينقحه فأعجلته المنية ، قال : "وجدت قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من "المستدرك" : -إلى هنا انتهى إملاء الحاكم." قال : وماعدا ذلك لم يؤخذ منه إلا بطريق الإجازة ، والتساهل في القدر المملى قليل جداً بالنسبة إلى ما بعده" . وقال الذهبي : "فيه جملة وافرة على شرطهما وجملة كثيرة على شرط أحدهما ، لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح سنده ، وفيه بعض الشيء أوله [علّة] وما بقى ليس كذلك والله أعلم" . قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "وهذا التفاوت إنما هو بالنظر إلى الحيثية المذكورة أما لو رجح قسم على ما فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح فإنه يقدَّم على ما فوقه إذ قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً كما لو كان الحديث عند مسلم مثلاً وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر لكن حفنة قرينة صار بها يفيد العلم فإن يقدَّ على الحديث الذي يخرّجاه من ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد كمالك عن نافع عن ابن عمر، فإنه يقدَّم على ما انفرد به أحدهما لاسيما إذا كان في إسناده من كان فيه مقال".
17 : أذكر لي مثالاً يتبين به تفاضل الأمهات الست في قوة الشرط ؟!
ج : مثال ذلك : أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلاً على خمس طبقات ولكل طبقة منها مزية على التي تليها فمن كان في الطبقة العليا وهو غاية قصد البخاري : كمالك ، وابن عيينة ، وعبيد الله بن عمر ، ويونس وعقيل الإيليان ، وشعيب بن حمزة وجماعة سواهم .
وأما أهل الطبقة الثانية : فنحو عبدالرحمن الأوزاعي والليث بن سعد ، والنعمان بن راشد ، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم . وهم شرط مسلم.
وأما الطبقة الثالثة : نحو سفيان بن حسين السلمي ، وجعفر بن برقان ، وعَبْد اللهِ بن عمر بن حفص العمري ، وزمعة بن صالح وغيرهم ، وهم شرط أبي داود والنسائي .
والطبقة الرابعة : نحو إسحاق بن يحيى الكلبي ، ومعاوية بن يحيى الصدفي ، وإسحاق بن عَبْد اللهِ بن أبي فروة المدني ، وإبراهيم بن يزيد المكي ، والمثنى بن الصبّاح وجماعة سواهم ، وهم شرط الترمذي .
والطبقة الخامسة : نحو : بحر بن كَنِيز السقَّاء ، والحكم بن عَبْد اللهِ الأيلى وغيرهما ، وهم نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرّج حديثهم إلاّ على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه ، فأمّا عند الشيخين فلا! .
18 : ما معنى قول الترمذي وغيره رحمهم الله تعالى : أصح شيء في الباب كذا ، وهل يلزم منه صحة الحديث ؟
ج : قال الإمام النووي –رحمه الله- : "لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث المطلقة عليه فإنهم يقولون : هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفاً ومرادهم أرجحه وأقلّه ضعفاً " ذكر ذلك –رحمه الله- عند قول الدارقطني –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : "أصح شيء في فضائل السور : فضل قل هو الله أحد ، وأصح شيء في فضائل الصلوات : فضل صلاة التسبيح" .
19 : ما هو الحسن لذاته وفيم يشارك الصحيح لذاته وما مظانه ؟
ج : هو ما جمع شروط الصحيح إلا أن الضبط خف ويشارك الصحيح لذاته في الاحتجاج به وفي انقسامه إلى مراتب بعضها أقوى من بعض ، فمن المرتبة العليا في ذلك ما قيل بصحته : كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، ومحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر رضي الله عنه ، ومن أدناها ما اختلف في تحسينه وتضعيفه كحديث الحارث بن عَبْد اللهِ ، وعاصم بن ضمرة وحجاج بن أرطأة ، ومن مظان الحسن : السنن الأربع أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وسنن الدارقطني ،ودونها المسانيد التي قدمنا ذكرها وأعلاها مسند الإمام أحمد بن حنبل . قال الهيثمي : "إنه أصح صحيحاً من غيره" . وقال العماد ابن كثير : لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته" . قيل :- أحاديثه أربعون ألفاً بالمكرر ، وقال الحافظ ابن حجر –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : "ليس في هذا المسند حديث لا اصل له إلا ثلاثة أو أربعة ، منها : حديث عبدالرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً . قال : والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا" ، ومسند إسحاق بن راهويه لأنه يخرّج فيه امثل ما ورد عن ذلك الصحابي فيما ذكره أبو زرعة الرازي عنه –رحمهما الله تعالى- .
20 : ما هو الصحيح لغيره وما مثاله ؟
ج : الحسن لذاته إذا اعتضد بمثله صار صحيحاً بمجموع طرقه ، ومثاله : حديث عَبْد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنه : "أن رسول الله r أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ في قلائص الصدقة وكان يأخذ بالبعيرين إلى إبل الصدقة" فإنه عند أحمد وأبي داود وعند الدارقطني بمعناه كلهم من طريق محمد بن إسحاق ، وعند البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وكلا الطريقين على انفراده من أعلا درجات الحسن لذاته فبجموعهما يصير صحيحاً لغيره .
21 : ما هو الحسن لغيره وما مثاله ؟
ج : قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "هو رواية المستور والمرسل والمدلس وسيء الحفظ إذا اعتضد بمعتبر ، لأن كل من الطرق الموصوفة بذلك يحتمل كونه صواب فيتوقف فيه حتى توجد قرينة ترجح أحد الاحتمالين ، فبترجيح الاحتمال الأول يرتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول ومع ارتقائه فهو منحط عن درجة الحسن لذاته" ا . هـ .
قلت : ومثاله حديث "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت ، ومن طريق أخرى عن ابن عباس فيها : الجُعْفي ، ومالك في "الموطأ" عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي r مرسلاً، وله طرق كثيرة متعددة يقوي بعضها بعضاً ، وقد حسنه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وكذا حسنه الإمام النووي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في "الأربعين" وحسنه غيرهما ولم يعنوا بذلك أنه حسن لذاته لأنه ليس في طرقه ما يقرب من ذلك لأن في كل منها مقال وإنما حسنوه بمجموع طرقه والله تبارك وتعالى أعلم .
22 : ما حكم الحديث الذي يطلق عليه الوصفان الحسن والصحة ؟
ج : إن كان فرداً فللتردد ، وذلك لأن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين ، فيقال فيه : حسن باعتباره عند قوم ، صحيح باعتباره عند آخرين وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد لأنه حقه أن يقال فيه حسن أو صحيح ، وعلى هذا فهو دون ما قيل فيه صحيح بصيغة الجزم ، وإن لم يكن فرداً فإطلاق الوصفين عليه باعتبار إسنادين فصاعداً أحدهما حسن والآخر صحيح ، وعلى هذا فهو أقوى مما قيل فيه : "صحيح" فقط وهو فرد لأن كثرة الطرق تقوي .
هذا اختيار ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في هذه المسألة . وهو الأصح وما سواه من الأقوال لا يخلو شيء منها عن اعتراض عليه وإيراد والله أعلم .
23 : ما مثال ما أطلق عليه الوصفان للتردد ؟ وما مثال ما أطلقا عليه باعتبار إسنادين فصاعداً ؟
ج : مثال الأولى : الحديث الذي يقول فيه الترمذي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "حديث حسن صحيح غريب" لأنه لما وصفه بالغرابة ظهر أن إطلاق الوصفين عليه للتردد لا باعتبار طرقه ، ومثال ذلك في سننه كثير.
ومثال الثاني حديث : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" قال الإمام الترمذي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا أبو كريب ثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله r : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" –الحديث فهو بهذا الإسناد من أعلى درجات الحسن لذاته لأن محمد بن عمرو رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى من المختلف في تصحيح حديثه وتحسينه والحديث في "الصحيحين" قال البخاري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا عَبْد اللهِ بن يوسف قال أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال :- الحديث . وقال مسلم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا قتيبة بن سعيد وعمرو الناقد وزهير بن حرب قالوا : حدثنا سفيان عن أبي الزناد الخ الحديث –فهو من هذا الوجه من أعلى درجات الصحيح لذاته ، وقد رَوَاهُ الترمذي من وجه آخر بزيادة وجمع فيه الوصفين فقال : "حسن صحيح" .
24 : ما حكم زيادة راوي الحسن والصحيح وفيم تقع الزيادة ؟
ج : حكمها القبول بشرط أنْ لا تكون منافية لرواية من هو أرجح بحيث يلزم من قبولها رد الأخرى ، فإن كانت منافية لرواية من هو أرجح بحيث يلزم من قبولها رد الأخرى ، رجع فيها إلى الترجيح فيقبل الراجح ويقال له : المحفوظ ، ويرد المرجوح ويقال له : الشاذ ، وكما تقع الزيادة في المتن ، تقع في السند : برفع موقوف أو وصل مقطوع أو نحوهما .
25 : ما مثال الزيادة المقبولة في المتن ؟ وما مثال المردودة ؟
ج : مثال الزيادة المقبولة حديث المستحاضة المتقدم روى من طرق كثيرة قال النسائي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : لم يذكر فيها : "وتوضىء" إلا حماد بن زيد ، وإليها أشار مسلم بقوله : "وفي حديث حماد بن زيد حرف تركنا ذكره" . ولكن قُبِلَت لكونها زيادة ثقة وهي غير منافية لرواية الأكثر بل أفادت حكماً آخر فصارت كحديث مستقل .
ومثال الزيادة المردودة : ما وقع في "النسائي" في حديث جابر في النهي عن ثمن السنور والكلب من استثناء كلب الصيد قال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمى قال : حدثنا حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله r "نهى عن ثمن السنور والكلب ، غلا كلب صيد" : قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "رجاله ثقات" . قلت : وهو كما قال ، ومع هذا ضعف الجمهور هذه الزيادة ، وقال النسائي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بعد روايته له : "وحديث حجاج عن حماد بن سلمة ليس بصحيح" ا هـ .
وذلك لأن المحفوظ فيه من رواية مسلم بدون الاستثناء ؛ قال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعْيَن ، حدثنا مَعْقِل عن أبي الزبير قال : سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور ؟ : قال : "زجر النبي r عن ذلك" وكذا في المتفق عليه من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن النبي r "نهى عن ثمن الكلب ومهر البغى، وحلوان الكاهن" بلا استثناء .
26 : ما مثال الزيادة المقبولة في السند ؟ وما مثال المردودة ؟
ج: مثال الزيادة المقبولة ما وقع في حديث أم سلمة زوج النبي r ورضي الله عنها عن النبي r أنه قال : "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل" رَوَاهُ ابو داود والنسائي وغيرهما كلهم من حديث إبراهيم بن طهمان هكذا مرفوعاً – وهو ثقة من رجال الصحيحين وقد رَوَاهُ البيهقي موقوفاً والرفع زيادة ثقة مقبولة ، وهذا مثال الزيادة في السند برفع الموقوف ؛ ومن أمثلة الزيادة بوصل المنقطع حديث : "لا نكاح إلا بولي" رَوَاهُ إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى ، ورَوَاهُ شعبة والثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى ، ورَوَاهُ شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عنه r مرسلاً فالحكم فيه لمن وصله وقد سئل البخاري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عنه فحكم لمن وصله وقال : "الزيادة من الثقة مقبولة" هذا مع أنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ : شعبة وسفيان وهما جبلان في الحفظ والإتقان .
[وأما مثال الزيادة المردودة : فسيأتي لذلك إن شاء الله زيادة إيضاح في بحث المزيد في متصل الأسانيد ، وفيه بيان حكم المنفرد الضعيف] .
27 : كم شروط المقبول المعلومة مما تقدم وما المشترك منها وما المختص؟
ج : ستة وهي : العدالة والضبط والاتصال وعدم الشذوذ وعدم العلة وهذه الخمسة مشترك بين الصحيحين بقسميه والحسن لذاته غير أن الصحيح لذاته يختص بتمام الضبط والحسن لذاته بخفته ، والسادس العاضد عند الاحتياج إليه. وهو خاص بالقسم الرابع ، أعني : الحسن لغيره لأن المراتب الأولى حجة بدون اعتضاد .
28 : إلى كم قسم ينقسم المقبول بدرجاته الأربع ؟
ج : ينقسم إلى معمول به مطلقاً وهو "المحكم" وهو ما سلم من المعارضة بمثله وأمثلته كثيرة لا تحصى يُستغنى عن ذكرها بشهرتها ، ومعمول به على تفصيلٍ لا مطلقاً وهو : ما عورض بمثله أما إذا كانت المعارضة بدونه فلا تأثير لها .
29 : ما حكم المعارض بمثله ؟
ج : له أربعة أحكام على الترتيب لا ينتقل إلى الثاني إلا عند عدم إمكان الأول ، ولا إلى الثالث إلا عند عدم إمكان الثاني وهو : الجمع إن أمكن ، ثم النسخ إن علم المتأخر ، ثم الترجيح إن وجدت قرائنه ، ثم التوقف وهو ليس بحكم وإنما هو عدم حكم .
30 : ما حقيقة الجمع وبماذا يكون وما أمثلته ؟
ج : حقيقته التأليف بين مدلولي النصين بغير تعسف . قال في "التقريب" : "هو من أهم الأنواع ويضطر إلى معرفته جميع العلماء وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه ، والأصوليون الغَوّاصُونَ على المعاني الدقيقة ، وأول من تكلم فيه الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ، وكان ابن خزيمة رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى من أحسن الناس كلاماً فيه حتى قال : "لا أعرف حديثين متعارضين فمن كان عنده فليأتني بها لأؤلف بينهما" ا هـ .
ويكون الجمع : بتخريج المعارض على معنى ، وجعل المعارض باق على معناه ، أو بحمل كل منها على معنى أو على شخص أو على حالة ، أو على موضع ، أو بتخصيص العام ، أو بتقييد المطلق أو يصرف أحدهما بالآخر من الوجوب إلى الندب ، أو من التحريم إلى الكراهة ، باختلاف الوقائع وتغاير الأحوال وتباين القرائن ، فمثال الجميع بتخريج المعارض على معنى وجعل الأول باق على عمومه : "حديث "لا عدوى ولا طيرة" الخ الحديث مع حديث "فر من المجذوم فرارك من الأسد" جميع بينهما ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "بأن حديث نفي العدوى باق على عمومه وأنه لا يعدى شيء شيئاً وقد قال r للذي عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الأبل الصحيحة فتجرب حيث أجابه r يقوله : "فمن أعدى الأول" يعني : أن الله تعالى ابتدأه في الثاني كما ابتدأ في الأول . قال : وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يُخالطه شيء بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر باجتنابه حسماً للمادة" .
ومثال الجمع بحمل كل من المتعارضين على معنى : حديث "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" مع حديث "من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر" قال الجمهور : "يفهم من تفضيله r صلاة الجماعة على صلاة الفذ إثبات فضيلة لها، ومن إثبات فضيلة لها إثبات الإجزاء فيحمل حديث لا صلاة الخ على نفي الكمال لا نفي الإجزاء" . قلت : وكفى بالعبد خسارة أن يضيع سبعة وعشرين ضعفاً متفقاً عليها ويختار لنفسه درجة واحدة مختلفاً في ثبوتها ، ثم قد يغتنم الشيطان وحدته فيستحوذ عليه فيخرجها عن وقتها أو يتركها بالكلية فإن الذئب إنما يأخذ من الإبل القاصية عياذاً بالله من ذلك ، ومثال الجمع بحمل أحد المتعارضين على شخص والآخر على آخر : حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله : أي الصدقة أفضل قال : "جهد المقل وابدأ بمن تعول" رَوَاهُ أحمد وأبوداود وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان . مع قوله r في حديث حكيم بن حزام : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" متفق عليه ، قال البيهقي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : " وجه الجمع بين هذين الحديثين أنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية" ا هـ . وكثيرا ما كان الشارع r يلاحظ أحوال الناس ويعتبرها في القوة والضعف ويعلمهم التكاليف ويبينها لهم على حسب ذلك كما في حديث أبي داود : أنه r أتاه رجل فسأله عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله : فنهاه" فإذا الذي رخص له : شيخ ، والذي نهاه : شاب ، ففهمنا الدلالة من الحديث بتلك القرينة وأن الرخصة لمن يملك نفسه كالشيخ لأن الغالب عليه انكسار شهوته فيملك إربه ولا يخشى عليه الفتنة ، والنهي لمن لا يملك نفسه كذلك الشاب لأن الغالب عليه هيجان الشهوة وعنفوان الشباب فلا يملك نفسه فيخاف عليه الوقوع في المحذور .
ومثال الجمع بحمل أحدهما على حالة والآخر على أخرى : حديث مسلم : "إلا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها" مع حديث البخاري : "خيركم قرني ثم الدين يلونهم ثم الذين يلونهم" إلى أن قال : "ثم يكون قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا" فَحُمِلَ الأول على ما إذا لم يكن المشهود له عالماً بها ، والثاني على ما إذا كان عالماً بها . ومثال الجمع بحمل أحد المتعارضين على موضع والآخر على أخر : حديث : "النهي عن استقبال القبلة واستدبارها" عن أبي أيوب وغيره في الصحيحين وغيرهما بلفظ "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا" مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه الجماعة قال : "رقيت يوماً على بيت حفصة رضي الله عنها فرأيت النبي r على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" ، وحديث جابر t تعالى عنه عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والبزار وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني رحمهم الله قال : "نهى النبي r أن نستقبل القبلة ببول ، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها" ووجه الجمع بين الأحاديث الدالة على النهي وبين الأحاديث الدالة على الإباحة أن النهي عن فعل ذلك في الصحارى ، والإباحة في العمران لقرينه جاءت بذلك في أحاديث الإباحة كما هو صريح في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وقد أفتى بذلك رضي الله عنه فأخرج أبو داود والحاكم رحمهما الله تعالى عن مروان الأصفر – رضي الله عنه – قال : رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها ، فقلت : يا أبا عبدالرحمن أليس قد نهي عن ذلك ، فقال : بلى إنما عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس" وقد حسن الحافظ في الفتح إسناده . وقال الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : الإستقبال والاستدبار محرمان في الصحراء لا في البنيان .
ومثال الجمع بتخصيص العام : حديث ابن عمر رضي الله عنهما في البخاري والسنن : أن النبي r قال : فيما سقت السماء والعيون وكان عَثَرِيّاً : العُشْر" إلخ الحديث ، فظاهره العموم في القليل والكثير فخصص عمومه حديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن النبي r : "ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة" فخرج به ما كان دون خمسة أوسقٍ صدقة" فخرج به ما كان دون خمسة أوسق . ومثال الجميع بتقييد المطلق : حديث ابن عباس في البخاري "إنما حرم من الميتة أكلها" فظاهر إطلاقه حل ما عدا الأكل كالانتفاع بجلودها قبل الدباغ فعورض بأحاديث الدباغ المتفق عليها عند الشيخين وغيرهما من "السنن" و "المسانيد" وقد رويت من طرق متعددة فعن ابن عباس حديثان ، وعن أم سلمة ثلاثة وعن أنس حديثان ، وعن سلمة بن المحبق وعائشة والمغيرة وابن مسعود وأبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين فقيد بها إطلاق الحديث المذكور فلا ينتفع بها حتى تطهر بالدباغ .
ومثال الجمع بصرف المعارض . بالمعارض من الوجوب إلى الندب : حديث : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أخرجه السبعة عن أبي سعيد الخدري ، وهو صريح في الوجوب ، فصرف إلى الندب بحديث سمرة بن جندب : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل" أخرجه الخمسة وحسنه الترمذي .
ومثال الجمع بصرفه من التحريم إلى الكراهة : حديث أبي هريرة في مسلم قال قال رسول الله r : "لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسى فليستئ" وهو صريح في التحريم ، فصرف إلى الكراهة بحديث علي t في البخاري : أنه شرب قائماً وقال : "رأيت رسول الله r فعل كما رأيتموني فعلت" .
31 : ما هو النسخ ؟ وما هو الناسخ ؟ وما هو المنسوخ ؟ وبم يعرف النسخ وإلام يكون ؟
ج-: النسخ هو : رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه ، والناسخ هو : الدليل المتأخر الدال على رفع الحكم ، والمنسوخ هو : الحكم الذي دل عليه المتقدم فنسخ بالمتأخر ، ويعرف النسخ بأمور : أصرحها نص الشارع عليه ، ثم تصريح الصحابي بذلك ثم معرفة المتأخر بالتاريخ ، ويكون النسخ إلى بدل وغيره وأغلظ وأخف .
32 : ما أمثلة ذلك ؟
ج : مثال ما عرف نسخه بنص الشارع حديث بريدة في ":السنن" مرفوعاً "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي إلا ثلاثاً فكلوا وأطعموا وادخروا ما بدالكم ، وذكرت لكم أن تنتبذوا في الظروف : الدباء والمزفت والنقير والحنتم ، إنتبذوا فيما رأيتم واجتنبوا كل مسكر ، ونهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا" . وأصله في مسلم . ومثال ما عرف بتصريح الصحابي حديث جابر في السنن أيضاًَ "كان آخر الأمرين من رسول الله r ترك الوضوء مما مست النار" . ومثال ما عرف نسخه بالتاريخ حديث شداد بن أوس مرة مرفوعاً "أفطر الحاجم والمحجوم" رَوَاهُ الخمسة إلا الترمذي وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والبخاري وغيره ، ذكر الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : لأنه منسوخ بحديث ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري قال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا معلي بن أسد حدثنا وهيب عن ايوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : "أن النبي r احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم" . حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا ايوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "احتجم النبي r وهو صائم" لأن ابن عباس صحب النبي r عام حجة الوداع سنة عشر وشداد صحبه r سنة ثمان عام الفتح والله أعلم .
33 : هل تكون رواية الصحابي المتأخر الإسلام ناسخة لرواية الصحابي المتقدم الإسلام ؟
ج-يتجه فيه النسخ بشرطين : الأول : أن لا يكون الصحابي المتأخر الإسلام صرح بالسماع من النبي r : فخرج به من لم يصرح بالسماع فإنه محتمل لأن يكون سمعه من صحابي متقدم الإسلام فأرسله ، الثاني : أن لا يكون سمع من النبي r شيئاً قبل إسلامه فخرج بذلك ما إذا سمع من النبي r قبل إسلامه ثم لم أسلم رَوَاهُ فإن ذلك محتمل لتقدم سماعه على الأول فباجتماع هذين الشرطين ينتفي تقدم حديث المتأخر الإسلام عن متقدمه فيتجه النسخ فيه من قبل التاريخ . والله أعلم .
34 : هل يكون الإجماع ناسخاً للنص ؟
ج : لا يكون الإجماع ناسخاً ، ولكن يدل على وجود الناسخ ، فإذا أجمع الصحابة على ترك حكم كان في أول الإسلام أو على تغييره دل إجماعهم على نسخ ذلك الحكم وإن لم نعلم الناسخ لحديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" .
35 : ما مثال ذلك ؟
ج : مثال ذلك : حديث معاوية في قتل شارب الخمر في الرابعة ، قال الترمذي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بعد كلام طويل في نقله عدم العمل به قال : "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم ، لا نعلم بينهم اختلافاً في القديم والحديث" الخ كلامه يعني أنه لم يقض أحد بقتله ولا فعله النبي r وقال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في آخر جامعه : "جميع ما في هذا الكتاب معمول به وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين : حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين من غير خوف ولا سفر ولا مطر" ؛ وحديث معاوية في شارب الخمر فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" .
36 : متى يتعين الترجيح وبم يتعين ؟
ج : يتعين الترجيح عند عدم إمكان الجمع وتعذر معرفة المتأخر وتعيينه بأمور منها ما يرجع إلى السند ومنها ما يرجع إلى المتن ومنها ما يرجع إلى المدلول ، ومنها ما يرجع إلى أمر خارج .
37 : ما هي الأمور المرجحة التي ترجع إلى السند مع الإشارة إلى بعض أمثلتها؟
ج : من ذلك : كون رواة أحد الحدثين أكثر أو أقوى : كحديث طلق بن علي في مس الذكر "إنما هو بضعة منك" مع حديث بسرة "من مس ذكره فليتوضأ" فتعارضا وكلاهما صحيح لكن رجح حديث بسرة على حديث طلق بن علي لكثرة من صححه ولكون رجاله محتج بهم في الصحيحين بخلاف حديث طلق بن علي في ذلك كله ولحديث بسرة من الشواهد عن نحو سبعة عشر صحابياً وذكر الترمذي عن ثمانية منهم بعدها . ومن ذلك : تقديم رواية الأجل : كتقديم رواية الخلفاء الأربعة عن سائر الصحابة ، ومن ذلك : كون راوي أحد الحديثين هو صاحب الواقعة فترجح على رواية غيره ، كترجيح حديث ميمونة رضي الله عنها : "تزوجني النبي r ونحن حلالان" على حديث ابن عباس رضي الله عنهما : "أن النبي r تزوجها وهو محرم" لأن هي صاحبة الواقعة ، ومن مثل ذلك : رواية المباشر للواقعة ترجح على رواية غيره ، كرواية أبي رافع في الواقعة المذكورة : "تزوج النبي r ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما" فرجحت على رواية ابن عباس المذكورة وغير ذلك .
38 : ما هي الأمور المرجحة الراجعة إلى المتن مع ذكر أمثلة لها ؟
ج : هي كثيرة من ذلك : المتفق عليه عند الشيخين مقدم على غيره عند التعارض ، ومن ذلك : أن يتفق على رفع أحد الخبرين ويختلف في رفع الآخر ووقفه : كما رجح عامة أهل الحديث "حديث عمار في اليتيم ضربة للوجه والكفين" على حديث جابر وابن عمر في أنه "ضربتان للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" . للاتفاق على رفع حديث عمار في "الصحيحين" وغيرهما ، بخلاف حديث جابر وابن عمر فإنه لم يتفق على ثبوت رفعهما بل الصواب فيهما الوقف ، فرجح حديث عمار من حيث الصحة والرفع .
ومن ذلك كون الراوي لأحدهما قد روى عنه خلافه فيتعارض روايتاه ويبقى الآخر سليماً عن المعارضة : كحديث أم سلمة : "لا يحرم من الرضاع غلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" مع حديث عائشة في "الصحيحين" : "أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم محتجة بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي r امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيراً وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة" فتعارض الحديثان لكن ثبت عن عائشة في "الصحيحين" أن رسول الله r قال لها : "انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة" فتعارض روايتا عائشة وبقى حديث أم سلمة سليماً من المعارضة فرجح ، وهذا هو مذهب الجمهور وهم الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة والأكابر من الصحابة وسائر أزواج النبي r سوى عائشة رضي الله عنهن ورأوا حديث سالم المتقدم من الخصائص ومن ذلك تقديم الخاص على العام ، والمطلق على المقيد ، والمنطوق على المفهوم ، وغير ذلك .
39 : ما هي الأمور المرجحة التي ترجع إلى المدلول مع التمثيل ؟
ج : هي كثيرة من ذلك : المثبت مقدم على النافي" : كتقديم حديث بلال في صلاة النبي r في جوف الكعبة وكان يومئذ بوابه حيث قال : "جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى" ، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "أنه r حين دخل الكعبة صلى : ركعتين" فَقُدِما على حديث ابن عباس رضي الله عنهما : "أنه r دخل البيت فكبر في نواحيه وفي زوايه ثم خرج ولم يصل فيه" لكون النافي محتملاً لأن يكون خفى عليه الأمر وعلمه غيره والمثبت لا يحتمل غير اليقين .
ومن ذلك : تقديم الحظر على الإباحة : كحديث أبي داود : "أنه r سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال : ما فوق الإزار" مع حديث مسلم "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فهو يدل بمفهومه على حل الاستمتاع بما بين السرة والركبة والأول يحرمه وإن كان ضعفه أبو داود فإن عنه غنية بما في "الصحيح" : "من أمر النبي r نساءه بالاتزار عند إرادة المباشرة في الحيض" ولحديث : "من رعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه" . فرجح الجمهور التحريم احتياطاً .
انظر الصفحة التالية
تَالِيفُ
الشَّيخِ العَلاَّمَةِ حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ
رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىٰ
1342-1377 ﻫ
أنَقَلَهُ إليكم نسألُكُم الدَّعاءَ لهُ ولوالِدَيهِ
الحمد لله الفرد الصمد الواحد القهار المالك المتصرف مقلب الليل والنهار ، الخالق البارئ المصور الرازق ذي القوة المتين ، الذي رفع سبع سموات طباقاً بغير عمد تسند إليها، وبسط الأرض على متن الماء وأوقفها بالأطواد لئلا تضطرب بمن عليها ﴿ ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين ﴾ له مقاليد السموات والأرض فمن شاء أعطاه من فيض خزائنه ومن شاء منعه وبيده ميزان العدل فمن شاء أعزه وأعلاه ومن شاء أذله ووضعه ، لا راد لقضائه ولا معارض لحكمه وهو أحكم الحاكمين ، أطلع شموس السنة بحكمته البديعة ، فأشرقت أنوارها في سماء الشريعة ، فاضمحل بذلك دلس الضلالة وتنفس صبح الحق المبين ، أحمده سبحانه على تسلسل نعمه التي لا تحصى وأشكره على تواتر فضله الذي لا يستقصى وأسأله الأمن من هول يوم يستوي فيه القوي والضعيف والوضيع والشريف والغني والمسكين .
وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له الملك القدوس السلام . شهادة صادرة عن يقين صادق واعتقاد صحيح لا شكوك تداخلها ولا أوهام ، نسأل الله الثبات عليها والعمل بمقتضاها حتى يأتينا اليقين ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أرسله بأبلغ حجة وأقطع برهان ، وخصه بجوامع الكلم وأنزل عليه القرآن . فهو أكرم الأنبياء وخاتم الرسل وسيد الخلق أجمعين ؛ صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه الذين عرفوا الحق فقبلوه ونصروه ، وأنكروا الباطل فردوه وقهروه ، فعلى بذلك كعبهم ورفعت عند الله درجاتهم وحفظ الله بهم الدين ، وعلى أتباعهم الذين نفروا في طلب علوم الدين جماعات وأفراداً ، ونقلوا إلينا أصوله وفروعه تواتراً وآحاداً وائتلفت قلوبهم على الحق واتفقت واجتمعت على صحة الاعتقاد فما اختلفت ولا افترقت وعلى تابعيهم وتابعي التابعين .
أما بعد : فإن أشرف العلوم بعد القرآن العظيم وأعلاها ، وأحقها بالبحث والتحقيق وأولاها ، علم السنة النبوية والآثار المصطفوية التي هي موضحة للقرآن ومبيّنة له ودالة عليه ومفصلة لمجمله ، وحالَّة لمشكله وهادية إليه ، ولا يتضح هذا العم غاية الاتضاح إلا بتحقيق الاصطلاح الذي هو الآلة المعينة على تحليله ، والدليل المرشد على سبيله ، فلا وصول إليه إلا بتحقيقه ، ولا سبيل إليه من طريقه ، ومن رغب عن هذا الفن الجليل ، فقد حرم معرفة المدلول والدليل ، وفاته خير كثير وفضل جزيل .
وقد جمعت في ذلك جملة مفيدة ونبذة فريدة في ذلك ، تشتمل على المهم من ذلك ، وتدل الطالب الراغب في تلك المسالك ، وإن كنت - لقصر باعي وقلة اطلاعي - لست من فرسان هذا الشأن , ولا ممن يجول في هذا الميدان ، ممن خاضوا غماره ، وجمعوا صغاره وكباره ، ولكني أحبَبتُ أن أقدح معهم بزند وأرمي بسهم ، واستضيء بنور ما اقتبسوا ، وأقتطف من ثمار ما غرسوا ؛ وأنقل ذلك من كتبهم ، وأقفو أثرهم تشبهاً بهم ، فـ : « من تشبه بقوم فهو منهم » فرحمهم الله ورضي عنهم .
• وجعلته على طريقة : السؤال والجواب ؛ ليكون أقرب لفهم الطلاب ، راجياً من الله جزيل الثواب ، وأن يهب لي من لدنه رحمة إنه هو الوهاب .
• وافتتحته :
1- بمقدمة : تُفصح عن تعريف هذا الفن رواية ودراية وما في ذلك من التصانيف المشهورة .
2- وختمته : بخاتمة تشتمل على فوائد منثورة .
• وسميته : (دَليلَ أربابِ الفَلاحِ لِتَحقيقِ فَنِّ الاصطِلاحِ) .
نسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا كلها صالحة ولوجهه خالصة وأن لا يجعل لأحد فيها شيئاً إنه على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير .
مقدمة
(علمِ الحديثِ) رِوايَةً
1- [ تَعريفُهُ ] :
فأما علم الحديث رواية ؛ فهو : نقل السنة في أقوال النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأفعاله وتقريراته وخَلْقِهِ وخُلُقِهِ … وغير ذلك .
2- [ فيبحث فيه من حيث : ] : ( ) حفظها في الصدور ، وإثباتها بالسطور ، وضبطها وتحرير ألفاظها ، وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث وإخبار وغير ذلك ، وشروطها تحمل واريها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل ؛ من : سماع أو عرض أو إجازة … أو نحوها ، وأنواعها الاتِّصال والانقطاع ونحوهما ، وأحكامها القبول والرد ، وحالة الرواة مِن عدالة وجرح ( ) … ونحو ذلك ، وشروطهم في التَّحمُّلِ وفي الأداء ( ) ، وأصناف المرويَّات المصنَّفات من السُّنن والصِّحاح ( ) والجوامع والمسانيد والمعاجم … ونحوهما مِنَ الأحاديث والآثارِ ( ) … وغيرها .
3- [ تَدوينُ الحديثِ ] :
• [ جمعُهُ بلا ترتيبٍ ] :
وأول تدوينٍ لِلحديث : وقع على رأس المائة ، ففي البخاري "كتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبي بكر بن حزم انظر ما كان من حديث رسول الله r فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء" وفي لفظ أبي نعيم : "كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الآفاق انظروا ما كان من حديث رسول الله r فاجمعوه" .
• [ جَمعُهُ على الأَبوابِ ] :
وأول من جمعه على الأبواب : جماعة في أثناء المائة الثانية كعبد الملك بن عبدالعزيز بن جريج بمكة المشرفة ، والإمام مالك ومحمد بن إسحاق وابن أبي ذئب بالمدينة المنورة وهشيم بن بشير السلمي بواسط ، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة بالبصرة . وسفيان الثوري بالكوفة ، ومعمر بن راشد باليمن ، وعَبْد اللهِ بن المبارك بخراسان وجرير بن عبدالحميد بالري ، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم .
• [ جَمعُ المَرفوعٍ ] :
إلى أن رأى بعضهم ( ) أن تُفرَدَ أحاديث النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاصَّةً ، فصنف عبيد الله موسى العبسي (مسنداً) ، ونعيم ابن حماد الخزاعي المصري (مسنداً) ، ثم اقتفى الأئمة آثارهم ؛ كأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهوية ، وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم .
• [ جَمعُ الصَّحيحِ ] :
1 : [ صَحيحُ البُخاريّ ] :
وأول من اقتصر على (الصَّحيح) أبو عَبْد اللهِ محمد بن إسماعيل البخاري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فَصنف في ذلك كتابه (الجامع الصحيح) .
وهو مشتمل على : ألفين وستمائة حديث وحديثين من المتون الموصولة بلا تكرير ، وبالتكرير : سبعة ألاف وثلثمائة وسبعة وتسعون حديثاً .
- وفيه من المتون المعلقة المرفوعة :
التي لم يصلها في موضع ( ) آخر من (جامعه) : مائة وستون أو تسعة وخمسون .
وبما وصله : ألف وثلثمائة وأحد وأربعون حديثاً معلقا .
- وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه على اختلاف الروايات : ثلثمائة واحد وأربعون حديثاً .
فجميع ما فيه - على هذا - : المكرر تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثاً اﻫ مقدمة الفتح ( ) .
قال الحافظ رحمه الله : ( وهذه العدة خارجة عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات ) ( ) .
2 : [ صَحيحُ مُسلِم ] :
ومن بعده الإمام الحافظ مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله صنف صحيحه المشهور .
وهو مشتمل على : أربعة آلاف حديث ، بدون تكرار ، وفيه التَّكرير غَيرُ كثيرٍ ( ) .
وعن أبي الفضل أحمد بن سلمة أنه : إثنا عشر ألفا حديث .
وقال الميانجي : ثمانية آلاف .
قال ابن حجر وعندي في ذلك نظر والله أعلم .
• وقال السيوطي : وقد وافق مسلم البخاري على ما في صحيحه إلا ثمانمائة وعشرين حديثاً" . وهما أصح كتاب بعد القرآن العظيم . وسيأتي إن شاء الله بحث في أيهما أفضل .
3 : [ مَن صَنَّف في الصّحيحِ ] :
وممن صنف بعدهما في الصحيح :
- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ، وكتابه يلي "صحيح مسلم" في الصحة .
- ثم "صحيح ابن حبان" وهو أخف شرطاً .
- ثم "مستدرك الحاكم" وقد التزم فيه شرط الشيخين أو أحدهما ، إلا أنه انتقد عليه كثير فيه وكلهم لم يلتزم استيعاب الأحاديث الصحاح .
• [ جَمعُ السُّنَنِ ] :
ومن أجلّ ما جُمِع في السنة - بعد الكتب الملتزمة صحتها - : (السنن الأربع) : أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ؛ لكنهم لم يلتزموا صحة جميع ما فيها .
1 : فأبو داود : يروي في الباب أقوى ما وجد فإن فقده روى الضعيف ويبينه غالباً ، ويترك ما اتفقوا على تركه ، واختلفوا فيما سكت عنه .
2 : ومثله النسائي .
3 : وأما الترمذي : فقد بين عقب كل حديث درجته من صحة وحسن وضعف وشهرة وغرابة … وغير ذلك .
ويقال لهذه الثلاثة مع (الصحيحين) : الأصول الخمسة .
4 : وأما ابن ماجة ؛ فهو : أكثرها حديثاً ضعيفاً ، وقد ثبتَت أصليته : لقوة نفعه وكثرة فقهه ، وكثرة زوائده على الموطأ ، وأول من ألحقه بها : ابن طاهر المقدسي ، وتبعه من صنف في الأطراف والرجال ، وبه صارت الأصول ستة ، ويقال لها : الأمهات الست ، ويقال لهم مع أحمد السبعة والجماعة .
ولم يفت هذه الأصول من الصحيح إلا النَّزر اليسير والله أعلم .
• [ المُستَخرَجاتُ ] :
وقد استخرج جماعة من الحفاظ على هذه الأمهات كتباً مستخرجة : فاستخرج الإسماعيلي والبرقاني والغطريفي وابن أبي ذهل وأبو بكر بن مردوية على البخاري .
واستخرج أبو عوانة وابن حمدان وابن النيسابوري والجوزقي و [الشاركي] وأبو الوليد القرشي وأبو عمران الجويني وأبو نصر الطوسي وأبو سعيد الجيري على : مسلم ، واستخرج أبو نعيم وابن الأخرم والهروي والخلال والماسرجسي وأبو مسعود الأصبهاني ،واليزدي ، على : كل منهما ، واستخرج محمد بن أيمن على : أبو داود . واستخرج الطوسي على : الترمذي .
واستخرج أبو نعيم على : توحيد ابن خزيمة ، والعراقي على : المستدرك .
وصورة الاستخراج : أن يروي أحاديث كتاب من غير طريق مصنفه مجتمعاً معه في شيخه فصاعداً .
ومن فوائده : العلو ، والزيادة في قدر الصحيح ، وكثرة الطرق ، وتبيين المبهم والمهمل ، وتبيين سماع : المدلس والمختلط ، وسلامة ما أُعِلّ فيما استخرج عليه ، والله أعلم فرحمهم الله ورضي الله عنهم .
عِلمِ الْحَدِيثِ دِرِايَةً
وأما علم الحديث دراية فيعرف : بمصطلح الحديث .
1- وموضوعه ( ) : بيان قواعد البحث في آحاد السنة عن أحوال السند والمتن وما يتعلق بهما .
والسَّند هو : الإخبار عن الطريق المتن .
والمتن هو : ما انتهى إليه السند من الكلام :
- فإن كان من كلام النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو ما في حكمه - : قيل له : حديث ، وخبر ، وأثر .
- ويقال له إذا عزاه لربه عز وجل : الحديث القدسي .
- وإن كان من كلام غير النبي صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قيل له : خبر وأثر ، ولم يقل له : حديث .
2- فيبحث في أحوال السند من حيث : انتهائه من مرفوع وموقوف ومقطوع ، وفي ذاته من : متصل ومنقطع ، ومسلسل وعال ونازل وأنواع كل منها .
3- ويبحث في أحوال المتن :
باعتبار : طرقه من مشهور وعزيز وغريب .
وباعتبار : مراتبه من صحيح وحسن وضعيف ومحفوظ وشاذ ومعروف ومنكر ومتابع وشاهد .
وباعتبار : الاستدلال والعمل به ؛ من : محكم ومعارض وناسخ ومنسوخ وراجح ومرجوح وما يتعلق بها .
وباعتبار : علله ؛ من : معلق ، ومرسل ، ومعضل ، ومنقطع ، ومدلس ، وموضوع ؛ ومتروك ، ومعلل ، ومدرج ، ومقلوب ، ومزيد ومضطرب ، ومصحف ، ومحرف ، ومجهول ، ومبهم ، ومختلط .
وعن : صيغ الأداء ؛ من : سماع ، وتحديث ، وإخبار ، وإنباء ، وقراءة ، ومناولة ، ومشافهة ، ومكاتبة ، وإجازة ، وعنعنة ، وقول ، ووصية ، ووجادة .
وعن : أسماء الرواة وكناهم وألقابهم وأنسابهم ؛ من : متفق ، ومفترق ، ومؤتلف ، ومختلف ، ومبهم ، ومتشابه … وغير ذلك .
وعن : طبقاتهم ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وسيرهم وأحوالهم تعديلاً وجرحاً ، ومراتب كل منها .
وأيضاً : آداب الشيخ والطالب . وسن التحمل والأداء . وصفة كتابة الحديث وسماعه وإسماعه . والرحلة فيه . وسببه . وتصنيفه … وغير ذلك .
4- ومقصوده : معرفة المقبول من المردود .
5- وفائدته : حماية الدين من أن يدخل فيه ما ليس منه .
6- ونسبته إلى العلوم ؛ هو : أشرفها لشرف متعلقه .
7- واستمداده : بالاستقراء من كتب الفن .
8- وواضعه - كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في خطبة (شرحه على النخبة) - :
( أول من صنف في ذلك :
- القاضي أبو محمد الرامهرمزي في كتابه (المحدث الفاصل) ؛ لكنه لم يستوعب .
- والحاكم أبو عبد الله النيسابوري ؛ لكنه لم يهذب ولم يرتب .
- وتلاه : أبو نعيم الأصبهاني ؛ فعمل على كتابه مستخرجاً ، وأبقى أشياء للمتعقب .
- ثم جاء بعدهم : الخطيب أبو بكر البغدادي ؛ فصنف في : قوانين الرواية كتاباً سماه (الكفاية) ؛ وفي آدابها : كتاباً سماه (الجامع لآداب الشيخ والسامع) . وقَلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتاباً مفرداً ، فكان - كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة - : ( كل من أنصف عَلِمَ أنَّ المحدثين بعد الخطيب عيالٌ على كتبه ) .
- ثم جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب ؛ فأخذ من هذا العلم بنصيب فجمع القاضي عياض كتاباً سماه : (الإلماع) ، وأبو حفص الميانجي جزءاً سماه : (ما لا يسع المحدث جهله) … وأمثال ذلك من التصانيف التي اشتهرت ؛ وبسطت : ليتوفر علمها ، واختصرت : ليتيسر فهمها … .
- إلى أن جاء الفقيه الحافظ تقي الدين أبو عمر وعثمان بن الصلاح عبد الرحمن الشهروذوري نزيل دمشق ، فجمع لَمَّا وُلي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور ؛ فهذب فنونه ، وأملاه شيئاً بعد شيء فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب ، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة : فجمع شتات مقاصدها ، وضم إليها من غيرها نخب فوائدها ، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره ، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره ، فَلا يُحصى كم : ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر ) ﻫ .
قلت : فمن الناظمين له : العراقي في (ألفيته) .
ومن المختصرين له : الإمام النووي في (تقريبه) ، وقد شرحه الجلال السيوطي رحمه الله شرحا سماه : (التَّدريب) وهو من أجمع المبسوطات .
ومن أيسر المختصرات وأكثرها فائدة : (نخبة الفكر وشرحها) كلاهما للحافظ ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى .
واعلم أن هذا العلم بحر لا ساحل له ، وهو أنواع كثيرة ، وقد صنف في كل نوع مصنفات مستقلة ولم يحيطوا به ، وقد قال الحافظ الحازمي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : ( إن علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة ، كلٌّ منها علم مستقل ، لو انفق الطالب فيه عُمرَه لما أدرك نهايته ) ﻫ .
وهٰذا أوانُ الدُّخولِ من أبوابِهِ ، والخوضِ في عُبابِهِ
والله المستعان وبه التوفيق وعليه التُّكلان
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
[ البابُ الأَوَّلِ : أَحوالُ الْمَتنِ ]
[ الفَصلُ الأَوَّلُ : أقسامُهُ باعتِبارِ طُرُقِهِ ]
1 : إلى كم ينقسم الخبر ؟
ج : ينقسم الخبر إلى : متواتر وآحاد .
2 : ما هو المتواتر ؟ وما حكمه ؟ وكم قسم هو ؟
ج : المتواتر ؛ هو : رواية عدد كثير أحالت العادة تواطئهم على الكذب . رووا ذلك عن مثلهم في الوصف المذكور من الابتداء إلى الانتهاء ، وكان مستند انتهائهم الحس – أي الأمر المشاهد أو المسموع لاقتضاه العقل الصرف ، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه .
وحكمه : إفادة العلم اليقين الضّروري من غير نظر .
وهو قسمان :
1- متواتر لفظاً ومعنى : وهو قليل في الحديث .
2- ومتواتر معنى فقط : وهو كثير فيه .
وأما القرآن ؛ فجميعه : متواتر لفظاً ومعنى .
3 : ما مثال المتواتر لفظاً ومعنى ؟ وما مثال المتواتر معنى فقط ؟
ج: من أمثلة المتواتر لفظاً ومعنى حديث : "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فإنه جاء عن بضعة وسبعين صحابياً منهم العشرة المشهود لهم بالجنة بهذا اللفظ ، أما بالمعنى فإنه جاء عن مائتين من الصحابة كما نقله النووي-رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-
ومثله حديث : "رفع اليدين في الصلاة" إذ رَوَاهُ نحو خمسين صحابياً بلفظ واحد منهم العشرة أيضاً ؛
وحديث : "نضر الله أمرءاً سمع مقالتي فوعاها" ، إذ رَوَاهُ نحو ثلاثين صحابياً كذلك ، ومن أمثلة التواتر معنى فقط حديث : "رفع اليدين في الدعاء" إذ روى فيه نحو مائة حديث في قضايا مختلفة . ومن المتواتر حديث المسح على الخفين ، وحديث نزل القرآن على سبعة أحرف وأحاديث الحوض وانشقاق القمر وأحاديث الهرج والفتن في آخر الزمان وغير ذلك ، وقال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - : "ومِنْ أحسن ما يقرر به كونُ المتواتر موجوداً وجودَ كَثْرَةٍ في الأحاديث أنَّ الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقاً وغرباً ، المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم [اليقيني] بصحته إلى قائله ومثال ذلك في الكتب [المشهورة] كثير" ا هـ .
قال شيخنا : -حفظه الله- : "يحمل قول من ادعى عزته على المتواتر لفظاً ومعنى ، وقول من قال بكثرته على المتواتر معنى فقط" . أ.هـ . وهو جمع حسن.
4 : ما هو الآحاد ؟ وإلى كم قسم ينقسم باعتبار طرقه ؟
ج: هو : ما كانت طرقه محصورة لم تبلغ حد التواتر السابق ، وينقسم باعتبار طرقه إلى ثلاثة أقسام : مشهور ، وعزيز ، وفرد .
5 : ما هو المشهور ؟ وإلى كم قسم ينقسم ؟ وما أمثلته ؟
ج: المشهور هو : ما جاء من ثلاث طرق فصاعداً إلى حد التواتر ؛ ويطلق على المتواتر الشهرة ، والفرق بينهما : ما مر في حد المتواتر فكل متواتر : مشهور ، ولا عكس ؛ وينقسم المشهور باعتبار موضع الشهرة من السند إلى قسمين : قسم تكون الشهرة في جميع سنده من أوله إلى آخره ويقال له : "المستفيض" كحديث : "النهي عن استقبال القبلة واستدبارها" في قضاء الحاجة فإنه مروي عن جماعة من الصحابة في عامة الأصول منهم : أبو أيوب في "الصحيحين" . وأبو هريرة وسلمان في مسلم وغيره ، وعَبْد اللهِ بن الحارث في ابن ماجه وابن حبان ، ومعقل ابن أبي معقل الأسدي في أبي داود ، وسهل بن حنيف في "مسند" الدارمي –رحمهم الله- . وقسم تطرأ عليه الشهرة في أثناء السند من عند أحد رواته وقد يكون في أول سنده فرداً : كحديث عمر في "الصحيحين" وغيرهما : "إنما الأعمال بالنيات" الخ فإن أول إسناده فرد تفرّد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله r يقول الحديث ، وليس له طريق يصح غير هذا –كما قال علي بن المديني وغيره- ثم رَوَاهُ عن الأنصاري الجم الغفير والخلق الكثير فقيل : رَوَاهُ عن أكثر من مائتي راو ، وقيل : سبعمائة راو ، ومن أعيانهم : الإمام مالك ، والثوري والأوزاعي ، وابن المبارك والليث ابن سعد ، وحماد بن زيد ، وشعبة ، وابن عيينة وغيرهم . ثم ينقسم باعتبار الشهرة عند الناس إلى ثلاثة أقسام : مشهور عند المحدثين وغيرهم : كحديث "الصحيحين" وغيرهما : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". ومشهور عند المحدثين خاصة : كحديث أنس رضي الله عنه : "أن رسول الله r قنت شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان" الحديث . فهذا حديث اتفق عليه الشيخان من رواية سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أنس ، ورَوَاهُ عن أنس جميع غير أبي مجلز ؛ ثم عنه جماعة غير التيمي ، ثم جماعة عن التيمي بحيث اشتهر بين المحدثين ، أما غيرهم فربما استغربه لأن الغالب رواية التيمي عن أنس بلا واسطة وهذا بواسطة .
ومشهور على ألسنة العامة ولو لم يكن له إلا إسناد واحد ، بل منها مالا يوجد له إسناد أصلاً كخبر "حب الوطن من الإيمان" .
6 : ما هو العزيز ؟ وما مثاله ؟
ج: العزيز هو : ما جاء من طريقين فقط بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين ؛ ومن أمثلته ما رَوَاهُ الشيخان من حديث أنس والبخاري من حديث أبي هريرة فأن رسول الله r قال : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" رَوَاهُ عن أنس : قتادة وعبدالعزيز بن صهيب ، ورَوَاهُ عن قتادة : شعبة وسعيد ، ورَوَاهُ عن عبدالعزيز : إسماعيل بن علية وعبدالوارث ورَوَاهُ عن كل جماعة .
7 : هل يكون الحديث عزيزاً مشهوراً ؟
ج : نعم ومن أمثلته حديث "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة" الحيدث فهو عزيز عن النبي r رَوَاهُ حذيفة وأبو هريرة . ومشهور عن أبي هريرة رَوَاهُ عنه سبعة : أبو سلمة بن عبدالرحمن وأبو حازم وطاوس والأعرج وهمام وأبو صالح وعبدالرحمن مولى أم برثن .
8 : ما هو الفرد ؟ وإلى كم قسم ينقسم باعتبار ما يقع فيه التفرد ؟ وإلى كم قسم ينقسم باعتبار المتفرد ؟
ج: ينقسم بحسب ما يقع فيه التفرد إلى خمسة أقسام ، الأول : ما وقع التفرد في سنده ومتنه كحديث : "بيع الولاء وهبته" فإنه لم يصح إلا من حديث عَبْد اللهِ بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما ، وكحديث عمر في "النية" قبل أن يصل إلى يحيى بن سعيد ؛ .
الثاني : ما وقع التفرد في سنده دون متنه كحديث رَوَاهُ عبد المجيد [بن عبد العزيز ابن أبي ] روَّاد ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-عن النبي r : "الأعمال بالنية" قال في الارشاد : "فقد أخطأ فيه عبدالمجيد" لأنه غير محفوظ عن زيد بن أسلم . قال اليعمري : هو إسناد غريب والمتن صحيح .
الثالث : عكس هذا وهو ما يقع التفرد في متنه دون سنده . وهو الذي لا يوجد له مثال كما قرره ابن الصلاح –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-
الرابع : ما وقع التفرد في بعض سنده كحديث : "أم زرع" المشهور فإن المحفوظ فيه ما رَوَاهُ : عيسى بن يونس عن هشام بن عروة عن أخيه عَبْد اللهِ بن عروة عن أبيهما عن عائشة ، ورَوَاهُ الطبراني من حديث : الدراوردي ، عن هشام ، عن أبيه بدون واسطة أخيه عَبْد اللهِ قال أبو الفتح : "فهذه غرابة تخص موضعاً من السند والحديث صحيح" .
الخامس : ما وقع التفرد في بعض متنه ، وقد مثل له جماعة من أهل العلم الاصطلاح بحديث زكاة الفطر وهو : "فرض رسول الله r زكاة الفطر في رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين" حيث قالوا فيه : إن مالكاً تفرد عن سائر رواته بقوله : "من المسلمين" ا هـ وقد نقلته من كتبهم ثم رأيت البخاري متابعاً لمالك وهو : عمر بن نافع ، وفي مسلم متابعاً له وهو : الضحاك بن عثمان ، ثم رأيت في "شرح العيني على صحيح البخاري" رحمهما الله أنه : قد تابعه أربعة غير من ذكر وهم : عَبْد اللهِ ابن عمر العمري عند الحاكم ، وكثير بن فرقد عنده وهند الدارقطني والطحاوي ، وعبيدالله بن عمر العمري عند الدارقطني ، ويونس بن يزيد عند الطحاوي فهؤلاء سبعة من الثقاة قد تابعوا مالكاً على هذه اللفظة ، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والأولى التمثيل لهذا القسم بحديث "المستحاضة" فقد روى من طرق كثيرة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة . قال النسائي : "لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث : "وتوضئ" غير حماد بن يزيد" .
وينقسم باعتبار المتفرد إلى قسمين : فرد مطلق وهو : ما انفرد به غيره ويقال له : الغريب ويقل إطلاق الفردية عليه تسمية .
ثم قد يطلق إذا لم يكن له طريق سواه كقول الترمذي - – رحمه الله – "لا نعرفه إلا من هذا الوجه" ، وقد يقيد والتقييد يقع بثلاثة أشياء : الأول : ما قيد بثقة ، فيقال : لم يروه ثقة إلا فلان ، كقولهم في حديث : "قراءته r في الأضحى والفطر (ق) و (اقتربت) لم يروه ثقة إلا ضمرة ابن سعيد فقد انفرد به عن عبيد الله بن عَبْد اللهِ عن أبي واقد الليثي صحابيه ، وإنما قيد بثقة لكونه قد رَوَاهُ غير ثقة . فقد أخرجه الدارقطني – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى – من رواية بن لهيعة – وقد وضعه الجمهور – عن خالد بن يزيد ، عن الزهري ، عن عائشة ؛ الثاني : ما قيد ببلد معين لم يروه غير أهله : كمكة ، والبصرة ، كقول الحاكم – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى – في حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود في كتابيه "السنن" و "التفرد" عن أبي الوليد الطيالسي ، عن همام ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عنه رضي الله عنه قال : "أمرنا رسول الله r أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر" : لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة ، قال : إنهم تفردوا بذكر الأمر فيه من اول الإسناد إلى آخره ولم يشركهم في لفظة سواهم ، وكذا قال في حديث عَبْد اللهِ بن زيد في : صفة وضوء النبي r إن قوله "ومسح رأسه بماء فير فضل يديه" سنة غريبة تَفَرَّد بها أهل مصر لم يشركهم واحد من أهل البلد فيصير من القسم الأول وهو : مالم يقيد بصفة فينظر في حال المتفرد ؛ الثالث : ما قيد براو مخصوص ، فيقال فيه : لم يروه عن فلان إلا فلان ، كقول أبي الفضل بن طاهر عقب الحديث المروي في "السنن الأربعة" من طريق سفيان بن عيينة ، عن وائل بن داود، عن ولده بكر بن وائل ، عن الزهري ، عن أنس –رضي الله عنه- : "أن النبي r أولم على صفية بسويق وتمر" لم يروه عن بكر إلا وائل ولم يروه عن وائل غير ابن عيينة فهو غريب ، وكذا قال الترمذي : إنه حسن غريب ، قال: "وقد رَوَاهُ غير واحد عن ابن عيينة عن الزهري –يعني بدون وائل وولده- قال: وكان ابن عيينة ربما دلسهما" .
9 : بماذا تزول الغرابة عن الحديث الذي يظن أنه غريب ؟
ج : تزول الغرابة عنه إذا وجد له متابع أو مشاهد ، والمتابعة هي : موافقة راوٍ آخر لذلك المتفرد أو لشيخه فصاعداً وشرطها كونه من رواية ذلك الصحابي فإن كانت للراوي نفسه فمتابعة تامة ، أو لشيخه فصاعداً فقاصرة ، والشاهد هو : ما إذا وجد متن يشبهه من رواية صحابي آخر لفظاً أو معنى .
10 : ما مثال المتابعة التامة ؟ وما مثال المتابعة القاصرة ؟ .
ج : مثال المتابعة التامة : الحديث الذي رَوَاهُ الشافعي –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في "الأم" عن مالك عن عَبْد اللهِ بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال : "الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين" .
فهذا الحديث بهذا اللفظ ظنَّ قوم أنَّ الشافعي تفرَّد به عن مالك-رحمهما الله تعالى- فعدوه في غرائبه لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد وبلفظ : "فإن غم عليكم فاقدروا له" لكن وجدنا للشافعي متابعاً وهو : عَبْد اللهِ بن مسلمة القعنبي : أخرجه البخاري عنه عن مالك كذلك . فهذه المتابعة للشافعي نفسه.
ومثال المتابعة القاصرة في الحديث المذكور قال الإمام مسلم –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة . حدثنا عبيدالله ، عن نافع عن ابن عمر –رضي الله عنهما- : "أن رسول الله r ذكر رمضان فضرب بيديه فقال : الشهر هكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن أُغمي عليكم فاقدروا له ثلاثين" وكذا ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عاصم بن محمد بن زيد ، وكذا ما أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريق عاصم بن محمد بن زيد ، عن أبيه ، عن جده ابن عمر بلفظ : "فإن غُمَّ عليكم [ فأكملوا] ففي هذين الإسنادين متابعة من نافع ومحمد بن زيد لشيخ مالك عَبْد اللهِ بن دينار ، وهي متابعة تامة لعَبْد اللهِ قاصرة لمالك وأقصر منها للشافعي –رحمهم الله تعالى- .
11 : ما مثال الشاهد لفظاً وما مثاله معنى ؟
ج : مثاله لفظاً حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- في النسائي قال –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:- أخبرنا أحمد بن عثمان أبو الجوزاء – وهو ثقة بصري أخو أبي العالية – قال : أنبأنا حبان بن هلال قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله r : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" أخبرنا محمد بن عَبْد اللهِ بن يزيد قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن حنين ، عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال : (عجبت ممن يتقدم الشهر وقد قال رسول الله r : "إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فافطروا ، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " .
ومثاله معنى : ما رَوَاهُ البخاري –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- من رواية محمد بن زياد سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال النبي r أو قال قال أبو القاسم r : "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُبىَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" والنسائي من روايته أيضاً بلفظ : "فإنْ غُمّى عليكم الشهر فعدوا ثلاثين" والنسائي من روايته أيضاً بهذا اللفظ إلا أن فيه : "غُمَّ" –بدل- "غمى" ، وفي لفظ له : "فإن غُمَّ عليكم فاقدروا ثلاثين" وفيه من رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه : "إذا رأيتموه فصوموا ؛ وإذا رأيتموه فافطروا فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين" وفيه من رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه : "إذا رأيتموه فصوموا ؛ وإذا رأيتموه فافطروا فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" وفيه وفي الترمذي من رواية عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : "فإن حالت دونه غَيَايةً فأكملوا ثلاثين" زاد الترمذي : (يوما) ، ومثله في أبي داود إلا أنه قال : (غمامة) بدل : "غياية" .
12 : بماذا يتوصل إلى ذلك وما كيفيته ؟
ج : يتوصل إلى ذلك بطريقة الاعتبار ، وهو : تتبع الطرق من "الجوامع" و"المسانيد" و"السنن" و"المعاجم" و"الأطراف" ، قال القسطلاني : وقد مثل ابن حبان –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لكيفية الاعتبار بأن يروى حماد بن سلمة حديثاً لم يتابع عليه ، عن أيوب ، عن ابن سيرين عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النبي r فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين فإن وجد علم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رَوَاهُ عن أبي هريرة وغلا فصحابي غير أبي هريرة رَوَاهُ عن النبي r فأي ذلك وجد علم به أن للحديث أصلاً يرجع إليه وإلا فلا .
13 : علام يتوقف العمل بالآحاد وإلى كم قسم ينقسم بعد ذلك ؟
ج: يتوقف العمل بخبر الآحاد على : البحث عن أحوال رواته .
وينقسم بعد البحث إلى ثلاث أقسام :
1- قسم ظهر فيه أصل صفة القبول ؛ وهو ثبوت صدق ناقله : فيقبل .
2- وقسم يظهر فيه أصل صفة الرد ؛ وهو ثبوت كذب ناقله : فيرد .
3- وقسم لم يظهر فيه شيء من ذلك : فيتوقف فيه ؛ حتى تلحقه قرينة بأحد القسمين .
[ الفَصلُ الثَّانِي : أقسامُهُ باعتِبارِ قَبولِهِ وردِّهِ (مَراتِبِهِ) ]
أوَّلاً : مَبَاحِثُ الْمَقبولُ
14 : كم درجات المقبول وما هي ؟
ج : للمقبول درجتان : صحيح وحسن ، والصحيح درجتان : لذاته ولغيره، والحسن درجتان : لذاته ولغيره ، فدرجاته إذاً أربع : صحيح لذاته وحسن لذاته وصحيح لغيره وحسن لغيره .
15 : ما تعريف الصحيح لذاته وما تعريف شروطه وما يخرج بكل منها؟
ج : الصحيح لذاته هو رواية عدل تام الضبط متصل السند غير معلٍّ ولا شاذ والمراد بالعدل : من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة . والمراد بالتقوى : اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة . ويخرج بالعدل خمسة : الكاذب ، والمتهم به، والفاسق بمكفر وغيره . والمبتدع ، والمجهول . والمراد بالضبط : الحزم في الحفظ وهو ضبطان : ضبط صدر وهو : ما إذا سمع الحديث لم ينسه بل متى شاء استحضره ، وضبط كتاب وهو : ما إذا سمع الحديث لم ينسه بل متى شاء استحضره ، وضبط كتاب وهو : ما إذا سمع الحديث كتبه وصانه لديه من الغلط والتحريف منذ سمع فيه إلى أن يؤدي منه ، ويخرج بالضابط خمسة : الواهم ، وفاحش الغلط ، والكثير الغفلة ، والكثير المخالفة للثقات ، وسيء الحفظ ؛ والإشارة بتام إلى : الدرجة العليا في الضبط ويخرج به : خفيف الضبط وهو : راوي الحسن لذاته ، والمراد بمتصل السند : ما سلم سنده من سقوط فيه بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي من شيخه ، ويخرج بالمتصل خمسة : المعلق ، والمرسل ، والمعضل ، والمنقطع والمدلس ؛ والمراد بغير معلٍّ : ما سلم من علَّة قادحة . والمراد بغير شاذ : ما سلم من الشذوذ وهو انفراد الثقة مخالفا للثقات ؛ والخارج بهذين الآخرين داخل فيما خرج بالضبط ، فالخارج بالأول يدخل في الوهم والخارج بالثاني يدخل في المخالفة .
16 : هل تتفاوت رتب الصحيح ؟
ج : نعم تتفاوت رتبه بسبب تقاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية ، وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات المرجحة كان أصح مما دونه . ويقع التفاوت في الصحة سنداً ومتناً وإطلاقاً وتقييداً ، فمن الدرجة العليا في التفاوت بحسب السند ما أطلق عليه : أصح الأسانيد ، كرواية : أحمد ، عن الشافعي ، عن مالك ، ومالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال البخاري : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر . وزاد ابن طاهر –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : الشافعي عن مالك ، وزاد بعض من المتأخرين كالعراقي : أحمد عن الشافعي ، والزهري عن سالم عن ابن عمر –رضي الله عنهما- أطلقه عليه : احمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه ، وابن سيرين عن عبيدة السلماني عن علي ابن أبي طالب –رضي الله عنه- . أطلقه عليه : ابن المديني :- من رواية عَبْد اللهِ بن عون ، وعمرو بن علي الفلاس من رواية أيوب السختياني ، والأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أطلقه عليه : يحيى بن معين –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- ، ودنها : كحماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس ، وبريد بن عَبْد اللهِ بن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنهما ، ودونها : كالعلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة –رضي الله عنه-، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- ، فالجميع يشملهم اسم العدالة والضبط إلا أن في المرتبة الأولى من الصفات المرجحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها ، وفيها –أي التي تليها- من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة ، وفيها –أي الثالثة- من تمام الضبط ما يقتضي تقديمها على الحسن لذاته ، وهذا التفاوت في الإسناد بحسب الإطلاق ، وقد أطلق على أسانيد كثيرة غير ما تقدم بأنها أصح الأسانيد أو أقواها أو أجودها ، منها : الزهري عن زين العابدين عن أبيه عن جده ، أطلق ذلك عليه ابن أبي شيبة وعبدالرزاق ، وعبيد الله بن عَبْد اللهِ بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنهما أطلقه عليه النسائي ، وشعبة عن عمرو ابن مرة الكوفي عن أبيه مرة عن أبي موسى رضي الله عنه أطلقه عليه وكيع ، وشعبة عن قتادة بن دعامة السدوسي عن سعيد بن المسيب عن عامر أخي أم سلمة عن أم سلمة وهذا منقول عن حجاج ابن الشاعر ، وعبدالرحمن بن القاسم بن محمد عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أطلقه عليه ابن معين ، ويحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أطلقه عليه الشاذكوني ، وأيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أطلقه عليه أحمد وقال : فإن كان من رواية حماد بن زيد فيالك ، ومنها ترجيح بن أبي حاتم ترجمة يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن أبن عمر رضي اله عنهما ، وأما التفاوت المقيد فيقع تقييده بالتراجم والبلدان" .
أما المقيد بالتراجم فقال الحاكم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "أصح أسانيد الصديق رضي الله عنه : إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه ، وأصح أسانيد عمر رضي الله عنه : الزهري عن سالم عن أبيه عنه ، وأصح أسانيد أهل البيت : جعفر بن محمد عن أبيه عن جده ، وأصح أسانيد أبي هريرة رضي الله عنه : الزهري عن سعيد بن المسيب عنه ، وأبو الزناد عن الأعرج عنه ، وحماد بن زيد عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عنه . وأصح أسانيد ابن عمر رضي الله عنهما : مالك عن نافع عنه وهي سلسلة الذهب المشهورة ، وأصح أسانيد عائشة رضي الله عنها : عبيد الله بن عمر بن حفص عن القاسم عن عائشة، وأصح أسانيد ابن مسعود رضي الله عنه : سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود" . وقال البزار : "رواية علي بن الحسين بن علي عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أصح إسناد يروي عن سعد" .
وأما المقيد بالبلدان ، فقال الإمام تقي الدين ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث ما رَوَاهُ أهل المدينة ثم أهل البصرة ثم أهل الشام . وقال الخطيب رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "أصح طرق السنن ما يرويه أهل الحرمين مكة والمدينة فإن التدليس فيهم قليل ، والكذب ووضع الحديث فيهم عزيز ، ولأهل اليمن روايات جيدة وطرق صحيحة إلا أنها قليلة ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضاً ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إكثارهم ، والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل قليلة السلامة من العلل ، وحديث الشاميين أكثر مراسيل ومقاطيع ، وما اتصل منه مما أسنده الثقات ، فإنه صالح والغالب عليه ما يتعلق بالمواعظ ، وقال هشام بن عروة : إذا حدثك العراقي بألف حديث فَألقِ تسعمائة وتسعين وكن من الباقي في شك" ا هـ . قلت : وكما فاوتوا بين البلدان في الثبت كذلك جعلوا لكل بلد سنداً هو أصح أسانيده . فقالوا : أصح الأسانيد لمكة : سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد الأزدي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وأصح الأسانيد للمدينة :-إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- وأصح الأسانيد لليمن : معمر بن راشد عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، وأثبت أسانيد المصريين : الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر رضي الله عنه . وأثبت أسانيد الخراسانيين : -الحسين بن واقد عن عَبْد اللهِ بن بريدة عن أبيه . وأثبت الأسانيد لأهل الشام :-أبو عمرو الأوزاعي عن حسان بن عطية المحاربي عن الصحابة رضي الله عنهم . ذكره الحاكم . قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "رجح بعض أئمتهم رواية سعيد بن عبدالعزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه" وغير ذلك من التراجم وقد جمع الحافظ أبو الفضل العراقي فيما عد من أصح الأسانيد إطلاقاً وتقييداً كتاباً في الأحكام رتبة على أبواب الفقه سماه : "تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد" وقد فاته جملة من الأحاديث كما قاله ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وأما التفاوت بحسب المتن فأصح متن على الإطلاق ما جاء من ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد . وأمّا على التقييد فأصح الأحاديث : ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى سنداً ومتناً أو متناً فقط ثم ما انفرد به البخاري ثم انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما مما لم يخرجاه ثم ماكان على شرط البخاري ثم ما كان على شرط مسلم ثم ما كان على شرط غيرهما ممن التزم الصحيح ومعنى كونه على شرطهما : كون إسناد هذا المتن وعندهما ممن التزم الصحيح ومعنى كونه على شرطهما : كون إسناد هذا المتن عندهما أو عند أحدهما مع باقي شروط الصحة من الضبط والعدالة وغيرهما ، وعلى هذا مشى جماعة كابن دقيق العيد والنووي والذهبي وغيرهم رحمهم الله ، وقيل : إن المراد بشرطهما : أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور. وقيل غير ذلك .
وإنما قُدِّمَ البخاري ومسلم : لاتقاق العلماء على تلقي كتابيهما بالقبول ، وعلى أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل . ثم قَدَّمَ الجمهور صحيح البخاري لكون شرطه من حيث الاتصال أقوى من شرط مسلم وأشد ، لنه يشترط اللقى مع المعاصرة ، ومسلم يكتفي بمجرد المعاصرة ولكون الصفات التي تدور عليها الصحة من حيث العدالة والضبط في كتاب البخاري أتم منها في مسلم وأسد لأن الذين تكلم فيه من رجال مسلم الذين تفرد بهم دون البخاري . وذلك أن جملة الذين انفرد البخاري لهم دون : -مسلم أربعمائة وبضع وثمانون رجلاً . المتكلم فيه بالضعف منهم : ثمانون رجلاً وجملة الذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري :-ستمائة وعشرون رجلاً . المتكلم فيه بالضعف منهم : مائة وستون رجلاً ، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم بخلاف مسلم في الأمرين ، ولأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث التي انفرد بها أقل عدداً مما انتقد على مسلم وذلك أن جملة ما تكلم فيه من أحاديثهما : مائتان وعشرة أحاديث اشتركا في : اثنين وثلاثين واختص البخاري : بثمانية وسبعين حديثاً ، ومسلم : بمائة حديث هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجلَّ من مسلم وأعرف بصناعة الحديث وعلله حتى الإمام [مسلماً] نفسه رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أقر له بذلك وقال : "دعني أقبل قدميك يا أستاذ الأستاذين وطبيب الحديث في علله" وبعض العلماء سوَّى بينهما وبعضهم رجح البخاري من حيث الصحة ومسلماً من حيث الصناعة رحمهما الله . ويلي مسلماً في الصحة "صحيح أبي بكر ابن خزيمة" فهو أعلى رتبة من "صحيح ابن حبان" لشدة تحريه حتى إنه يتوقف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد فيقول : إن صح الخبر أو إن ثبت كذا ونحو ذلك ، ويليه "صحيح ابن حبان" فإنه قد وفى بشرطه فيه وإن كان خفيفاً فإنه يخرّج في "الصحيح" : "وما كان راويه غير مدلِّس سمع من شيخه وسمع منه الآخذ عنه ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع" ، و"إذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة" . وفي كتاب "الثقات" له كثير ممن هذه حاله ، وهذا دون شرط الحاكم في "مستدركه" . إذ شرَطَ أن يُخرِّج لرواة خَرَّجَ الشيخان أو أحدهما لهم أو لمثلهم معبراً عن الأول بقوله : "صحيح على "شرط الشيخين" ، أو "على شرط البخاري أو مسلم" ، وعن الثاني بقوله : "هذا حديث صحيح الإسناد" ، وإنما قالوا فيه أنه أدنى رتبة من "صحيح ابن حبان" لكونه لم يف بهذا الشرط في جميعه بل وجد فيه تساهل ، وسببه كما قال ابن حجر –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : لأنه سَوَّدَ الكتاب لينقحه فأعجلته المنية ، قال : "وجدت قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من "المستدرك" : -إلى هنا انتهى إملاء الحاكم." قال : وماعدا ذلك لم يؤخذ منه إلا بطريق الإجازة ، والتساهل في القدر المملى قليل جداً بالنسبة إلى ما بعده" . وقال الذهبي : "فيه جملة وافرة على شرطهما وجملة كثيرة على شرط أحدهما ، لعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح سنده ، وفيه بعض الشيء أوله [علّة] وما بقى ليس كذلك والله أعلم" . قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "وهذا التفاوت إنما هو بالنظر إلى الحيثية المذكورة أما لو رجح قسم على ما فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح فإنه يقدَّم على ما فوقه إذ قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً كما لو كان الحديث عند مسلم مثلاً وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر لكن حفنة قرينة صار بها يفيد العلم فإن يقدَّ على الحديث الذي يخرّجاه من ترجمة وصفت بكونها أصح الأسانيد كمالك عن نافع عن ابن عمر، فإنه يقدَّم على ما انفرد به أحدهما لاسيما إذا كان في إسناده من كان فيه مقال".
17 : أذكر لي مثالاً يتبين به تفاضل الأمهات الست في قوة الشرط ؟!
ج : مثال ذلك : أن تعلم أن أصحاب الزهري مثلاً على خمس طبقات ولكل طبقة منها مزية على التي تليها فمن كان في الطبقة العليا وهو غاية قصد البخاري : كمالك ، وابن عيينة ، وعبيد الله بن عمر ، ويونس وعقيل الإيليان ، وشعيب بن حمزة وجماعة سواهم .
وأما أهل الطبقة الثانية : فنحو عبدالرحمن الأوزاعي والليث بن سعد ، والنعمان بن راشد ، وعبدالرحمن بن خالد بن مسافر وغيرهم . وهم شرط مسلم.
وأما الطبقة الثالثة : نحو سفيان بن حسين السلمي ، وجعفر بن برقان ، وعَبْد اللهِ بن عمر بن حفص العمري ، وزمعة بن صالح وغيرهم ، وهم شرط أبي داود والنسائي .
والطبقة الرابعة : نحو إسحاق بن يحيى الكلبي ، ومعاوية بن يحيى الصدفي ، وإسحاق بن عَبْد اللهِ بن أبي فروة المدني ، وإبراهيم بن يزيد المكي ، والمثنى بن الصبّاح وجماعة سواهم ، وهم شرط الترمذي .
والطبقة الخامسة : نحو : بحر بن كَنِيز السقَّاء ، والحكم بن عَبْد اللهِ الأيلى وغيرهما ، وهم نفر من الضعفاء والمجهولين لا يجوز لمن يخرّج حديثهم إلاّ على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه ، فأمّا عند الشيخين فلا! .
18 : ما معنى قول الترمذي وغيره رحمهم الله تعالى : أصح شيء في الباب كذا ، وهل يلزم منه صحة الحديث ؟
ج : قال الإمام النووي –رحمه الله- : "لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث المطلقة عليه فإنهم يقولون : هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفاً ومرادهم أرجحه وأقلّه ضعفاً " ذكر ذلك –رحمه الله- عند قول الدارقطني –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : "أصح شيء في فضائل السور : فضل قل هو الله أحد ، وأصح شيء في فضائل الصلوات : فضل صلاة التسبيح" .
19 : ما هو الحسن لذاته وفيم يشارك الصحيح لذاته وما مظانه ؟
ج : هو ما جمع شروط الصحيح إلا أن الضبط خف ويشارك الصحيح لذاته في الاحتجاج به وفي انقسامه إلى مراتب بعضها أقوى من بعض ، فمن المرتبة العليا في ذلك ما قيل بصحته : كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، ومحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر رضي الله عنه ، ومن أدناها ما اختلف في تحسينه وتضعيفه كحديث الحارث بن عَبْد اللهِ ، وعاصم بن ضمرة وحجاج بن أرطأة ، ومن مظان الحسن : السنن الأربع أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وسنن الدارقطني ،ودونها المسانيد التي قدمنا ذكرها وأعلاها مسند الإمام أحمد بن حنبل . قال الهيثمي : "إنه أصح صحيحاً من غيره" . وقال العماد ابن كثير : لا يوازي مسند أحمد كتاب مسند في كثرته وحسن سياقاته" . قيل :- أحاديثه أربعون ألفاً بالمكرر ، وقال الحافظ ابن حجر –رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- : "ليس في هذا المسند حديث لا اصل له إلا ثلاثة أو أربعة ، منها : حديث عبدالرحمن بن عوف أنه يدخل الجنة زحفاً . قال : والاعتذار عنه أنه مما أمر أحمد بالضرب عليه فترك سهوا" ، ومسند إسحاق بن راهويه لأنه يخرّج فيه امثل ما ورد عن ذلك الصحابي فيما ذكره أبو زرعة الرازي عنه –رحمهما الله تعالى- .
20 : ما هو الصحيح لغيره وما مثاله ؟
ج : الحسن لذاته إذا اعتضد بمثله صار صحيحاً بمجموع طرقه ، ومثاله : حديث عَبْد اللهِ بن عمرو بن العاص رضي الله عنه : "أن رسول الله r أمره أن يجهز جيشاً فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ في قلائص الصدقة وكان يأخذ بالبعيرين إلى إبل الصدقة" فإنه عند أحمد وأبي داود وعند الدارقطني بمعناه كلهم من طريق محمد بن إسحاق ، وعند البيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وكلا الطريقين على انفراده من أعلا درجات الحسن لذاته فبجموعهما يصير صحيحاً لغيره .
21 : ما هو الحسن لغيره وما مثاله ؟
ج : قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "هو رواية المستور والمرسل والمدلس وسيء الحفظ إذا اعتضد بمعتبر ، لأن كل من الطرق الموصوفة بذلك يحتمل كونه صواب فيتوقف فيه حتى توجد قرينة ترجح أحد الاحتمالين ، فبترجيح الاحتمال الأول يرتقى من درجة التوقف إلى درجة القبول ومع ارتقائه فهو منحط عن درجة الحسن لذاته" ا . هـ .
قلت : ومثاله حديث "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري ، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت ، ومن طريق أخرى عن ابن عباس فيها : الجُعْفي ، ومالك في "الموطأ" عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي r مرسلاً، وله طرق كثيرة متعددة يقوي بعضها بعضاً ، وقد حسنه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وكذا حسنه الإمام النووي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في "الأربعين" وحسنه غيرهما ولم يعنوا بذلك أنه حسن لذاته لأنه ليس في طرقه ما يقرب من ذلك لأن في كل منها مقال وإنما حسنوه بمجموع طرقه والله تبارك وتعالى أعلم .
22 : ما حكم الحديث الذي يطلق عليه الوصفان الحسن والصحة ؟
ج : إن كان فرداً فللتردد ، وذلك لأن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحد الوصفين ، فيقال فيه : حسن باعتباره عند قوم ، صحيح باعتباره عند آخرين وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد لأنه حقه أن يقال فيه حسن أو صحيح ، وعلى هذا فهو دون ما قيل فيه صحيح بصيغة الجزم ، وإن لم يكن فرداً فإطلاق الوصفين عليه باعتبار إسنادين فصاعداً أحدهما حسن والآخر صحيح ، وعلى هذا فهو أقوى مما قيل فيه : "صحيح" فقط وهو فرد لأن كثرة الطرق تقوي .
هذا اختيار ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في هذه المسألة . وهو الأصح وما سواه من الأقوال لا يخلو شيء منها عن اعتراض عليه وإيراد والله أعلم .
23 : ما مثال ما أطلق عليه الوصفان للتردد ؟ وما مثال ما أطلقا عليه باعتبار إسنادين فصاعداً ؟
ج : مثال الأولى : الحديث الذي يقول فيه الترمذي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "حديث حسن صحيح غريب" لأنه لما وصفه بالغرابة ظهر أن إطلاق الوصفين عليه للتردد لا باعتبار طرقه ، ومثال ذلك في سننه كثير.
ومثال الثاني حديث : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" قال الإمام الترمذي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا أبو كريب ثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله r : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم" –الحديث فهو بهذا الإسناد من أعلى درجات الحسن لذاته لأن محمد بن عمرو رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى من المختلف في تصحيح حديثه وتحسينه والحديث في "الصحيحين" قال البخاري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا عَبْد اللهِ بن يوسف قال أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال :- الحديث . وقال مسلم رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا قتيبة بن سعيد وعمرو الناقد وزهير بن حرب قالوا : حدثنا سفيان عن أبي الزناد الخ الحديث –فهو من هذا الوجه من أعلى درجات الصحيح لذاته ، وقد رَوَاهُ الترمذي من وجه آخر بزيادة وجمع فيه الوصفين فقال : "حسن صحيح" .
24 : ما حكم زيادة راوي الحسن والصحيح وفيم تقع الزيادة ؟
ج : حكمها القبول بشرط أنْ لا تكون منافية لرواية من هو أرجح بحيث يلزم من قبولها رد الأخرى ، فإن كانت منافية لرواية من هو أرجح بحيث يلزم من قبولها رد الأخرى ، رجع فيها إلى الترجيح فيقبل الراجح ويقال له : المحفوظ ، ويرد المرجوح ويقال له : الشاذ ، وكما تقع الزيادة في المتن ، تقع في السند : برفع موقوف أو وصل مقطوع أو نحوهما .
25 : ما مثال الزيادة المقبولة في المتن ؟ وما مثال المردودة ؟
ج : مثال الزيادة المقبولة حديث المستحاضة المتقدم روى من طرق كثيرة قال النسائي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : لم يذكر فيها : "وتوضىء" إلا حماد بن زيد ، وإليها أشار مسلم بقوله : "وفي حديث حماد بن زيد حرف تركنا ذكره" . ولكن قُبِلَت لكونها زيادة ثقة وهي غير منافية لرواية الأكثر بل أفادت حكماً آخر فصارت كحديث مستقل .
ومثال الزيادة المردودة : ما وقع في "النسائي" في حديث جابر في النهي عن ثمن السنور والكلب من استثناء كلب الصيد قال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : أخبرني إبراهيم بن الحسن المقسمى قال : حدثنا حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله r "نهى عن ثمن السنور والكلب ، غلا كلب صيد" : قال ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "رجاله ثقات" . قلت : وهو كما قال ، ومع هذا ضعف الجمهور هذه الزيادة ، وقال النسائي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بعد روايته له : "وحديث حجاج عن حماد بن سلمة ليس بصحيح" ا هـ .
وذلك لأن المحفوظ فيه من رواية مسلم بدون الاستثناء ؛ قال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثني سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعْيَن ، حدثنا مَعْقِل عن أبي الزبير قال : سألت جابراً عن ثمن الكلب والسنور ؟ : قال : "زجر النبي r عن ذلك" وكذا في المتفق عليه من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن النبي r "نهى عن ثمن الكلب ومهر البغى، وحلوان الكاهن" بلا استثناء .
26 : ما مثال الزيادة المقبولة في السند ؟ وما مثال المردودة ؟
ج: مثال الزيادة المقبولة ما وقع في حديث أم سلمة زوج النبي r ورضي الله عنها عن النبي r أنه قال : "المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل" رَوَاهُ ابو داود والنسائي وغيرهما كلهم من حديث إبراهيم بن طهمان هكذا مرفوعاً – وهو ثقة من رجال الصحيحين وقد رَوَاهُ البيهقي موقوفاً والرفع زيادة ثقة مقبولة ، وهذا مثال الزيادة في السند برفع الموقوف ؛ ومن أمثلة الزيادة بوصل المنقطع حديث : "لا نكاح إلا بولي" رَوَاهُ إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى ، ورَوَاهُ شعبة والثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى ، ورَوَاهُ شعبة والثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عنه r مرسلاً فالحكم فيه لمن وصله وقد سئل البخاري رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عنه فحكم لمن وصله وقال : "الزيادة من الثقة مقبولة" هذا مع أنَّ مَنْ أَرْسَلَهُ : شعبة وسفيان وهما جبلان في الحفظ والإتقان .
[وأما مثال الزيادة المردودة : فسيأتي لذلك إن شاء الله زيادة إيضاح في بحث المزيد في متصل الأسانيد ، وفيه بيان حكم المنفرد الضعيف] .
27 : كم شروط المقبول المعلومة مما تقدم وما المشترك منها وما المختص؟
ج : ستة وهي : العدالة والضبط والاتصال وعدم الشذوذ وعدم العلة وهذه الخمسة مشترك بين الصحيحين بقسميه والحسن لذاته غير أن الصحيح لذاته يختص بتمام الضبط والحسن لذاته بخفته ، والسادس العاضد عند الاحتياج إليه. وهو خاص بالقسم الرابع ، أعني : الحسن لغيره لأن المراتب الأولى حجة بدون اعتضاد .
28 : إلى كم قسم ينقسم المقبول بدرجاته الأربع ؟
ج : ينقسم إلى معمول به مطلقاً وهو "المحكم" وهو ما سلم من المعارضة بمثله وأمثلته كثيرة لا تحصى يُستغنى عن ذكرها بشهرتها ، ومعمول به على تفصيلٍ لا مطلقاً وهو : ما عورض بمثله أما إذا كانت المعارضة بدونه فلا تأثير لها .
29 : ما حكم المعارض بمثله ؟
ج : له أربعة أحكام على الترتيب لا ينتقل إلى الثاني إلا عند عدم إمكان الأول ، ولا إلى الثالث إلا عند عدم إمكان الثاني وهو : الجمع إن أمكن ، ثم النسخ إن علم المتأخر ، ثم الترجيح إن وجدت قرائنه ، ثم التوقف وهو ليس بحكم وإنما هو عدم حكم .
30 : ما حقيقة الجمع وبماذا يكون وما أمثلته ؟
ج : حقيقته التأليف بين مدلولي النصين بغير تعسف . قال في "التقريب" : "هو من أهم الأنواع ويضطر إلى معرفته جميع العلماء وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه ، والأصوليون الغَوّاصُونَ على المعاني الدقيقة ، وأول من تكلم فيه الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ، وكان ابن خزيمة رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى من أحسن الناس كلاماً فيه حتى قال : "لا أعرف حديثين متعارضين فمن كان عنده فليأتني بها لأؤلف بينهما" ا هـ .
ويكون الجمع : بتخريج المعارض على معنى ، وجعل المعارض باق على معناه ، أو بحمل كل منها على معنى أو على شخص أو على حالة ، أو على موضع ، أو بتخصيص العام ، أو بتقييد المطلق أو يصرف أحدهما بالآخر من الوجوب إلى الندب ، أو من التحريم إلى الكراهة ، باختلاف الوقائع وتغاير الأحوال وتباين القرائن ، فمثال الجميع بتخريج المعارض على معنى وجعل الأول باق على عمومه : "حديث "لا عدوى ولا طيرة" الخ الحديث مع حديث "فر من المجذوم فرارك من الأسد" جميع بينهما ابن حجر رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : "بأن حديث نفي العدوى باق على عمومه وأنه لا يعدى شيء شيئاً وقد قال r للذي عارضه بأن البعير الأجرب يكون بين الأبل الصحيحة فتجرب حيث أجابه r يقوله : "فمن أعدى الأول" يعني : أن الله تعالى ابتدأه في الثاني كما ابتدأ في الأول . قال : وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يُخالطه شيء بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج فأمر باجتنابه حسماً للمادة" .
ومثال الجمع بحمل كل من المتعارضين على معنى : حديث "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" مع حديث "من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر" قال الجمهور : "يفهم من تفضيله r صلاة الجماعة على صلاة الفذ إثبات فضيلة لها، ومن إثبات فضيلة لها إثبات الإجزاء فيحمل حديث لا صلاة الخ على نفي الكمال لا نفي الإجزاء" . قلت : وكفى بالعبد خسارة أن يضيع سبعة وعشرين ضعفاً متفقاً عليها ويختار لنفسه درجة واحدة مختلفاً في ثبوتها ، ثم قد يغتنم الشيطان وحدته فيستحوذ عليه فيخرجها عن وقتها أو يتركها بالكلية فإن الذئب إنما يأخذ من الإبل القاصية عياذاً بالله من ذلك ، ومثال الجمع بحمل أحد المتعارضين على شخص والآخر على آخر : حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله : أي الصدقة أفضل قال : "جهد المقل وابدأ بمن تعول" رَوَاهُ أحمد وأبوداود وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان . مع قوله r في حديث حكيم بن حزام : "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى" متفق عليه ، قال البيهقي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : " وجه الجمع بين هذين الحديثين أنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية" ا هـ . وكثيرا ما كان الشارع r يلاحظ أحوال الناس ويعتبرها في القوة والضعف ويعلمهم التكاليف ويبينها لهم على حسب ذلك كما في حديث أبي داود : أنه r أتاه رجل فسأله عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله : فنهاه" فإذا الذي رخص له : شيخ ، والذي نهاه : شاب ، ففهمنا الدلالة من الحديث بتلك القرينة وأن الرخصة لمن يملك نفسه كالشيخ لأن الغالب عليه انكسار شهوته فيملك إربه ولا يخشى عليه الفتنة ، والنهي لمن لا يملك نفسه كذلك الشاب لأن الغالب عليه هيجان الشهوة وعنفوان الشباب فلا يملك نفسه فيخاف عليه الوقوع في المحذور .
ومثال الجمع بحمل أحدهما على حالة والآخر على أخرى : حديث مسلم : "إلا أخبركم بخير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها" مع حديث البخاري : "خيركم قرني ثم الدين يلونهم ثم الذين يلونهم" إلى أن قال : "ثم يكون قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا" فَحُمِلَ الأول على ما إذا لم يكن المشهود له عالماً بها ، والثاني على ما إذا كان عالماً بها . ومثال الجمع بحمل أحد المتعارضين على موضع والآخر على أخر : حديث : "النهي عن استقبال القبلة واستدبارها" عن أبي أيوب وغيره في الصحيحين وغيرهما بلفظ "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا" مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما أخرجه الجماعة قال : "رقيت يوماً على بيت حفصة رضي الله عنها فرأيت النبي r على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة" ، وحديث جابر t تعالى عنه عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والبزار وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني رحمهم الله قال : "نهى النبي r أن نستقبل القبلة ببول ، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها" ووجه الجمع بين الأحاديث الدالة على النهي وبين الأحاديث الدالة على الإباحة أن النهي عن فعل ذلك في الصحارى ، والإباحة في العمران لقرينه جاءت بذلك في أحاديث الإباحة كما هو صريح في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وقد أفتى بذلك رضي الله عنه فأخرج أبو داود والحاكم رحمهما الله تعالى عن مروان الأصفر – رضي الله عنه – قال : رأيت ابن عمر رضي الله عنهما أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها ، فقلت : يا أبا عبدالرحمن أليس قد نهي عن ذلك ، فقال : بلى إنما عن هذا في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس" وقد حسن الحافظ في الفتح إسناده . وقال الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : الإستقبال والاستدبار محرمان في الصحراء لا في البنيان .
ومثال الجمع بتخصيص العام : حديث ابن عمر رضي الله عنهما في البخاري والسنن : أن النبي r قال : فيما سقت السماء والعيون وكان عَثَرِيّاً : العُشْر" إلخ الحديث ، فظاهره العموم في القليل والكثير فخصص عمومه حديث أبي سعيد في الصحيحين وغيرهما عن النبي r : "ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة" فخرج به ما كان دون خمسة أوسقٍ صدقة" فخرج به ما كان دون خمسة أوسق . ومثال الجميع بتقييد المطلق : حديث ابن عباس في البخاري "إنما حرم من الميتة أكلها" فظاهر إطلاقه حل ما عدا الأكل كالانتفاع بجلودها قبل الدباغ فعورض بأحاديث الدباغ المتفق عليها عند الشيخين وغيرهما من "السنن" و "المسانيد" وقد رويت من طرق متعددة فعن ابن عباس حديثان ، وعن أم سلمة ثلاثة وعن أنس حديثان ، وعن سلمة بن المحبق وعائشة والمغيرة وابن مسعود وأبي أمامة رضي الله عنهم أجمعين فقيد بها إطلاق الحديث المذكور فلا ينتفع بها حتى تطهر بالدباغ .
ومثال الجمع بصرف المعارض . بالمعارض من الوجوب إلى الندب : حديث : "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أخرجه السبعة عن أبي سعيد الخدري ، وهو صريح في الوجوب ، فصرف إلى الندب بحديث سمرة بن جندب : "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فالغسل أفضل" أخرجه الخمسة وحسنه الترمذي .
ومثال الجمع بصرفه من التحريم إلى الكراهة : حديث أبي هريرة في مسلم قال قال رسول الله r : "لا يشربن أحدكم قائماً فمن نسى فليستئ" وهو صريح في التحريم ، فصرف إلى الكراهة بحديث علي t في البخاري : أنه شرب قائماً وقال : "رأيت رسول الله r فعل كما رأيتموني فعلت" .
31 : ما هو النسخ ؟ وما هو الناسخ ؟ وما هو المنسوخ ؟ وبم يعرف النسخ وإلام يكون ؟
ج-: النسخ هو : رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه ، والناسخ هو : الدليل المتأخر الدال على رفع الحكم ، والمنسوخ هو : الحكم الذي دل عليه المتقدم فنسخ بالمتأخر ، ويعرف النسخ بأمور : أصرحها نص الشارع عليه ، ثم تصريح الصحابي بذلك ثم معرفة المتأخر بالتاريخ ، ويكون النسخ إلى بدل وغيره وأغلظ وأخف .
32 : ما أمثلة ذلك ؟
ج : مثال ما عرف نسخه بنص الشارع حديث بريدة في ":السنن" مرفوعاً "إني كنت نهيتكم أن تأكلوا لحوم الأضاحي إلا ثلاثاً فكلوا وأطعموا وادخروا ما بدالكم ، وذكرت لكم أن تنتبذوا في الظروف : الدباء والمزفت والنقير والحنتم ، إنتبذوا فيما رأيتم واجتنبوا كل مسكر ، ونهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا" . وأصله في مسلم . ومثال ما عرف بتصريح الصحابي حديث جابر في السنن أيضاًَ "كان آخر الأمرين من رسول الله r ترك الوضوء مما مست النار" . ومثال ما عرف نسخه بالتاريخ حديث شداد بن أوس مرة مرفوعاً "أفطر الحاجم والمحجوم" رَوَاهُ الخمسة إلا الترمذي وصححه أحمد وابن خزيمة وابن حبان والبخاري وغيره ، ذكر الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : لأنه منسوخ بحديث ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري قال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى : حدثنا معلي بن أسد حدثنا وهيب عن ايوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما : "أن النبي r احتجم وهو محرم واحتجم وهو صائم" . حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا ايوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "احتجم النبي r وهو صائم" لأن ابن عباس صحب النبي r عام حجة الوداع سنة عشر وشداد صحبه r سنة ثمان عام الفتح والله أعلم .
33 : هل تكون رواية الصحابي المتأخر الإسلام ناسخة لرواية الصحابي المتقدم الإسلام ؟
ج-يتجه فيه النسخ بشرطين : الأول : أن لا يكون الصحابي المتأخر الإسلام صرح بالسماع من النبي r : فخرج به من لم يصرح بالسماع فإنه محتمل لأن يكون سمعه من صحابي متقدم الإسلام فأرسله ، الثاني : أن لا يكون سمع من النبي r شيئاً قبل إسلامه فخرج بذلك ما إذا سمع من النبي r قبل إسلامه ثم لم أسلم رَوَاهُ فإن ذلك محتمل لتقدم سماعه على الأول فباجتماع هذين الشرطين ينتفي تقدم حديث المتأخر الإسلام عن متقدمه فيتجه النسخ فيه من قبل التاريخ . والله أعلم .
34 : هل يكون الإجماع ناسخاً للنص ؟
ج : لا يكون الإجماع ناسخاً ، ولكن يدل على وجود الناسخ ، فإذا أجمع الصحابة على ترك حكم كان في أول الإسلام أو على تغييره دل إجماعهم على نسخ ذلك الحكم وإن لم نعلم الناسخ لحديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" .
35 : ما مثال ذلك ؟
ج : مثال ذلك : حديث معاوية في قتل شارب الخمر في الرابعة ، قال الترمذي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بعد كلام طويل في نقله عدم العمل به قال : "والعمل على هذا عند عامة أهل العلم ، لا نعلم بينهم اختلافاً في القديم والحديث" الخ كلامه يعني أنه لم يقض أحد بقتله ولا فعله النبي r وقال رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى في آخر جامعه : "جميع ما في هذا الكتاب معمول به وبه أخذ بعض أهل العلم ما خلا حديثين : حديث ابن عباس في الجمع بين الصلاتين من غير خوف ولا سفر ولا مطر" ؛ وحديث معاوية في شارب الخمر فإن عاد في الرابعة فاقتلوه" .
36 : متى يتعين الترجيح وبم يتعين ؟
ج : يتعين الترجيح عند عدم إمكان الجمع وتعذر معرفة المتأخر وتعيينه بأمور منها ما يرجع إلى السند ومنها ما يرجع إلى المتن ومنها ما يرجع إلى المدلول ، ومنها ما يرجع إلى أمر خارج .
37 : ما هي الأمور المرجحة التي ترجع إلى السند مع الإشارة إلى بعض أمثلتها؟
ج : من ذلك : كون رواة أحد الحدثين أكثر أو أقوى : كحديث طلق بن علي في مس الذكر "إنما هو بضعة منك" مع حديث بسرة "من مس ذكره فليتوضأ" فتعارضا وكلاهما صحيح لكن رجح حديث بسرة على حديث طلق بن علي لكثرة من صححه ولكون رجاله محتج بهم في الصحيحين بخلاف حديث طلق بن علي في ذلك كله ولحديث بسرة من الشواهد عن نحو سبعة عشر صحابياً وذكر الترمذي عن ثمانية منهم بعدها . ومن ذلك : تقديم رواية الأجل : كتقديم رواية الخلفاء الأربعة عن سائر الصحابة ، ومن ذلك : كون راوي أحد الحديثين هو صاحب الواقعة فترجح على رواية غيره ، كترجيح حديث ميمونة رضي الله عنها : "تزوجني النبي r ونحن حلالان" على حديث ابن عباس رضي الله عنهما : "أن النبي r تزوجها وهو محرم" لأن هي صاحبة الواقعة ، ومن مثل ذلك : رواية المباشر للواقعة ترجح على رواية غيره ، كرواية أبي رافع في الواقعة المذكورة : "تزوج النبي r ميمونة وهو حلال وكنت السفير بينهما" فرجحت على رواية ابن عباس المذكورة وغير ذلك .
38 : ما هي الأمور المرجحة الراجعة إلى المتن مع ذكر أمثلة لها ؟
ج : هي كثيرة من ذلك : المتفق عليه عند الشيخين مقدم على غيره عند التعارض ، ومن ذلك : أن يتفق على رفع أحد الخبرين ويختلف في رفع الآخر ووقفه : كما رجح عامة أهل الحديث "حديث عمار في اليتيم ضربة للوجه والكفين" على حديث جابر وابن عمر في أنه "ضربتان للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" . للاتفاق على رفع حديث عمار في "الصحيحين" وغيرهما ، بخلاف حديث جابر وابن عمر فإنه لم يتفق على ثبوت رفعهما بل الصواب فيهما الوقف ، فرجح حديث عمار من حيث الصحة والرفع .
ومن ذلك كون الراوي لأحدهما قد روى عنه خلافه فيتعارض روايتاه ويبقى الآخر سليماً عن المعارضة : كحديث أم سلمة : "لا يحرم من الرضاع غلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" مع حديث عائشة في "الصحيحين" : "أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم محتجة بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي r امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيراً وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة" فتعارض الحديثان لكن ثبت عن عائشة في "الصحيحين" أن رسول الله r قال لها : "انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة" فتعارض روايتا عائشة وبقى حديث أم سلمة سليماً من المعارضة فرجح ، وهذا هو مذهب الجمهور وهم الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة والأكابر من الصحابة وسائر أزواج النبي r سوى عائشة رضي الله عنهن ورأوا حديث سالم المتقدم من الخصائص ومن ذلك تقديم الخاص على العام ، والمطلق على المقيد ، والمنطوق على المفهوم ، وغير ذلك .
39 : ما هي الأمور المرجحة التي ترجع إلى المدلول مع التمثيل ؟
ج : هي كثيرة من ذلك : المثبت مقدم على النافي" : كتقديم حديث بلال في صلاة النبي r في جوف الكعبة وكان يومئذ بوابه حيث قال : "جعل عموداً عن يساره ، وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثم صلى" ، وحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "أنه r حين دخل الكعبة صلى : ركعتين" فَقُدِما على حديث ابن عباس رضي الله عنهما : "أنه r دخل البيت فكبر في نواحيه وفي زوايه ثم خرج ولم يصل فيه" لكون النافي محتملاً لأن يكون خفى عليه الأمر وعلمه غيره والمثبت لا يحتمل غير اليقين .
ومن ذلك : تقديم الحظر على الإباحة : كحديث أبي داود : "أنه r سئل عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض فقال : ما فوق الإزار" مع حديث مسلم "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فهو يدل بمفهومه على حل الاستمتاع بما بين السرة والركبة والأول يحرمه وإن كان ضعفه أبو داود فإن عنه غنية بما في "الصحيح" : "من أمر النبي r نساءه بالاتزار عند إرادة المباشرة في الحيض" ولحديث : "من رعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه" . فرجح الجمهور التحريم احتياطاً .
انظر الصفحة التالية