تعتبر حياة البادية بسيطة في حياتها وبعض الأحيان قاسية فمنها
يتعلم الإنسان الخير والشجاعة إلى جانب الكرم والجود، ففضائل
البادية عديدة ولذلك كان الخلفاء والأمراء في عصور الحضارة
الإسلامية يدفعون بأبنائهم إلى البادية لاكتساب صفات الشجاعة
والفروسية حتى تشتد سواعدهم وتقوى عزائمهم وتؤهلهم لتحمل
المشاق والمسؤوليات الجسام، كما كان الآباء الذين يريدون
لأبنائهم أن يكونوا من الشعراء يرسلون أبنائهم إلى البادية
ليتعلموا اللغة، ولتستقيم ألسنتهم وتصح مترادفاتهم وتصفوا
قرائحهم، فالبادية منشأ الأنبياء والحكماء وملجأ للصالحين والزهاد.
تطور الأزمان على حياة البدو لم تغيّر من عاداتهم وتقاليدهم العريقة
المأخوذة أباً عن جد ومن قبيلة إلى أخرى، بل زادت من تمسكهم
بها، فنجد الشعر العربي المتصل بالبدو وهو الشعر النبطي المتداول
بين البدو والقبائل وها نحن نتحدث عن نشأته وتطوره, وكذلك
سنتحدث عن القهوة العربية التي هي من أصالة البدو ورمزا
لكرمهم .
الشعر النبطي
يتداول الناس الشعر النبطي في الخليج والجزيرة العربية منذ القرن
الخامس الهجري وحتى الآن، ومرت أزمان على هذه المنطقة كان
فيها الشعر النبطي هو تاريخها، فالشعر النبطي هو أصالة هذه
الأرض الطيبة وجذورها وهو لهجتها اليومية التي لا تبتعد كثيراً عن
الفصحى، ويسمي هذا الشعر بالشعر النبطي العامي أو الشعر
البدوي، وهو يعد من أغنى عناصر الأدب الشعبي وأغزرها مادة
وأكثرها التصاقاً بواقع الحياة والمجتمع، فهو ثروة أدبية ضخمة
. والشعر النبطي وثيقة نستطيع من خلالها أن نستشف أنماط الحياة
الماضية ونستشرف آفاقها، وهو في محتواه ليس إلا انعكاساً
مباشراً للظروف الاجتماعية والحضارية في الجزيرة العربية قبل
نهضتها الحديثة، إنه حصيلة التجارب التي يقتدي بها سلوكهم
ويحتكمون إليها في معظم شؤونهم، وهو التعبير الصادق لما يختلج
في نفوسهم من مشاعر وأحاسيس.
نشأة وتطور الشعر العامي
الشعر العامي كان من نتاج الفساد للسان العربي وبعد العرب عن
اللغة الفصحى وتمكن اللحن منهم حتى صار طبيعة لا يخاطبون إلا به،
وبقيت العربية الفصحى للخطب والرسائل والشعراء المتأدبين بها،
فكان أول من بدأ الشعر العامي هم المستعربون من المغنين الذين
كانوا يستثقلون الفصحى فقالوها بلغتهم العامية آنذاك، وبقيت
البادية بعيدة عن مثل هذه الأشعار حتى القرن الرابع عندما بدأت
ألسنة الأعراب بالتغير فنشأ الشعر البدوي الذي بقي محافظاً على
صفات القصيدة الفصيحة نفسها ولكن من دون إعراب وبلهجة عامية.
وكان الشعر العامي في بدايته على أوزان العرب القديمة ثم ظهرت
فيه بعض اللهجات العامية واللحن في الإعراب ثم زاد اللحن حتى صار في الكلمة نفسها وفي صرفها وبقي الشعر مدة يُقرض على
هذا الأسلوب، ثم ازداد اللحن حتى اختفى الإعراب والصرف تماماً
وبقيت الكلمات أقرب إلى الفصحى من حيث اللفظ لا الإعراب، ثم
ادخلوا الكلمات العامية الدخيلة الكثيرة واستخدموا أوزانا جديدة وبدأوا يكسرون في الألفاظ حتى لا تكاد تفهم بلا فصاحة ولا بيان
.
بداية اللحن ونشأة العامية
اللحن هو الخطأ في إعراب الكلمة ولم يكن موجودا قبل الإسلام،
وإنما وجد بعده عندما دخل الناس فيه أفواجاً وانتشر في الأقطاب
وخالط العرب غيرهم من الأعاجم، وبقيت البداية في مأمن لا يعرفونه ولذا كان بنو مروان يلزمون أولادهم البادية لتقويم ألسنتهم
وبقي اللحن يزداد حتى صار الأمر إلى بني العباس.
القهــوة العربيــة.. أصــالة وترحيب
القهوة العربية قصة عشق في حياة البدو بدأت من أول «فنجال».
تعتبر رمزا للكرم وضيافة البادية» والضيف الذي لا تُقدّم له القهوة
يشعر بالإهانة وعدم التقدير والاحترام ويعتبر أن مضيفه قد قصَّر
في تقديم الواجب له، فيكفّ عن زيارته وربما يقاطعه لفترة طويلة,
ويزداد شربها وتناولها في المناسبات الرسمية والأفراح والزيارات
الاجتماعية وفي المجالس العربية تستقر فناجيل القهوة ودِلالها في
مكانها، لاسيما في مجالس الشيوخ والوجهاء، وتقتضي العادات أنه
كلما دخل ضيف جديد على المجلس تدور فناجيل القهوة من جديد
على جميع الجالسين ولايجوز أن يغادر أحدهم المجلس والفناجيل
تدور وإنما عليه الانتظار حتى تستقر الفناجيل مكانها.
دلة القهوة العربية من الأشياء التي لاغنى عنها لأي بيت أو عرب
رحالة وذلك لأن القهوة تعد من الأشياء التي يعتز العربي بأول
مايقدمها إلى ضيفه. ويعتبر الاعتذار عن شربها في بيت المضيف من قلة الواجب وعدم الاحترام لصاحب البيت, وللأهمية الكبيرة لفنجال
القهوة في عاداتنا وتقاليدنا العربية نجد أنه عندما يأتي أحدهم
إلى آخر بطلب معين مثلا معاتبا أو يخطب فإنه يضع فنجال القهوة
أمامه ولايشربه حتى يسأله المضيف عن حاجته ويلبيها أو يقول
له: "إشرب قهوتك طلبك مستجاب".
صناعة القهوة يدويا يعتبر من أفضل الأعمال التي يقوم بها الرجل
أمام ضيوفه وهي من العادات الكريمة التي يتمسّك بها العربي
ويفخر ويعتزّ بها، ويرى أن الذي لا يُجيد عمل القهوة يكون قد رُبِيَ
في بيتٍ غير ذي كَرَم لذلك يتفنن الكثيرون في عملها. تختلف ألوان
القهوة العربية بحسب اختلاف البلاد، و هناك عدة فروق بين القهوة
العربية والأنواع الأخرى من حيث الطريقة المتبعة لتحميص البن عند
إعداد وطهي القهوة العربية، والتي لا بد أن يكون التحميص فيها
خفيفا وداكنا وذلك لمنع المرارة وإعطاء النكهة المتنوعة المرغوبة للفرد، وأيضا من حيث الإضافات مثل (الهيل - الزعفران- القرفة - نبتة
الحوار - الحليب). ولصب القهوة أو سكبها أصول ثابتة عند الجميع
فعادةُ صَبّ القهوة ومدّها على الضيوف تبدأ من اليمين إلى الشمال دلالةً على قيمتها واحترامها لأن اليمين أوجب من الشمال، وعلى
صاحب البيت أن يمسك دلة القهوة باليد اليسرى والفناجيل باليد
اليمنى كما يقوم المضيف بتذوق القهوة قبل أن يبدأ بتقديمها
للضيوف، وذلك للتأكيد على جودتها والذي يصب القهوة لا بد أن يكون واقفاً وتصب القهوة بالعادة ثلاث مرات وتؤخذ بكميات قليل
ة في قاع الفنجال، وبعد صب الفنجال يجب على الضيف أن يهز الفنجان إشارة إلى اكتفائه منها. وكثير من الأشخاص يصعب عليهم
بدء نهارهم من دون فنجال قهوة وكثير منهم يستيقظ على رائحة
فنجال قهوة، ولا يمكنهم الاستعاضة عنها بأي مشروب آخر بديل، فالبدويّ يعشق القهوة بطبعه ويُغرم بشربِها ويجد في ذلك متعته ولذته وكثيراً ما يُصَغِّرون اسمها للتحبّب فيسمونها «قهيوة». وتعتبر
القهوة ذلك الشراب الأسود المر الذي يتخذ من مغلي حبات البن
وتفوح منها رائحة الهيل للكيف فقط، وليست للشبع والارتواء ويقال
إن معنى القهوة: هي نقيع البن الصافي، وقيل أن لفظ القهوة
coffee مأخوذ من caffa اسم قرية في الحبشة كانت أشجار البن
تنبت حولها و يطلق عليها اسم البن وهو مشتق من ألبنة أي الرائحة
الطيبة، وتعرف القهوة بالبن عندما تكون خضراء أو حبوبا جافة
محمصة، ولكن بعد التحضير والإعداد يطلق عليها القهوة. ويقال بأن القهوة سميت بذلك لأنها تغني شاربها عن الطعام أي تذهب بشهوته
(تشبعه)، وسميت أيضا بخمر الصالحين وذلك لأنهم كانوا يستعينون
بها على التهجد وقيام الليل حيث تعمل على تقويتهم وتنشيطهم
لأداء العبادة. وتعود قصة اكتشاف القهوة إلى راعي أغنام يمني
خالدي لاحظ أن غنماته لاتنام الليل وتنشط وتمرح بشكل غير طبيعي ومغاير عن العادة بعد ما ترعى في مرعى تنمو فيه شجيرات
لينة لها ثمرات عنبية، فدفعه ذلك إلى أكل النبات من نفس المرعى ثم جرب شربه مغلياً وشعر بالحركة والنشاط، وكان هو بذلك أول من
اكتشف نبات البن والذي تصنع منه القهوة. وهناك حوالي 25 نوعاً من البن ومنها البن العربي، البن الأفريقي ، البن البرازيلي وأجودها القهوة العدنية نسبةً إلى منطقة عدن، أما البهار أو الهيل
فالجيّد منه يُجلب من الهند بدليل قولهم: «وبْهَارها من ديرة الهند ينجَاب
تم إضافته يوم الأربعاء 02/07/2008 م - الموافق 28-6-1429 هـ الساعة 1:42 صباحاً